مصر . . تُضرب من باب الكنيسة

0
761

لم يكن الحادث الإجرامي الذي جرى على باب كنيسة القديسين في الاسكندرية صباح اليوم الأول من العام الجديد 2011 حادثاً إرهابياً عادياً ، ألفته المنطقة ، واعتادت عليه أسماعنا منذ سنوات . وردود الفعل التي أثارها داخل مصر وفي الوطن العربي والعالم شاهد على ذلك . واستهداف الكنيسة بشكل مباشر لم يكن ليخفي وجود مصر كلها ، بتاريخها ودورها ومستقبلها ، في قلب دائرة الاستهداف . وكون الأقباط الضحية الأولى في هذا العمل الإرهابي الكبير ، لم يحرف الأنظار عن حقيقة أن الشعب المصري كله والشعوب العربية جميعها ضمن قائمة الاستهداف . وعلى الرغم من وضوح الوجه الطائفي البغيض لهذه الجريمة ، إلا أنها جريمة سياسية ضد الوطنية المصرية والعروبة في حقيقة الأمر وبالمقام الأول والأخير ايضاً .

من هنا لا تكون بيانات الاستنكار والإدانة الرد الملائم على هذا النوع من الإرهاب . ولا تستطيع مقولات التعاطف والمساندة أن تمنعه من تحقيق أهدافه . فالأمر يتطلب قوة الفعل وسرعة التحرك . فناقوس الخطر يدق في سماء العروبة وحضورها على أرضها ووراء مصالحها . وجرس الإنذار يقرع في الدولة الوطنية وبنيتها واستقرارها ومصيرها .

وكائناً من كانت الأيدي الآثمة التي امتدت إلى مصر ووحدتها الوطنية ودماء أبنائها ، يبقى الفاعل والمستفيد الحقيقي هو كل من له مصلحة في الحؤول دون قيامة مصر من عثارها ، لتعود إلى دورها الفاعل والمطلوب في المحيط العربي والإقليمي . أولئك الذين تستند أدوارهم إلى إلى غياب دور مصر ، وترتكز مشاريعهم في المنطقة على إلغاء وجودها في المعادلة ، وبقاء موقعها شاغراً في الوضع الإقليمي ، وعلى رأسهم تأتي إسرائيل . ومن البديهي أن لا يكون للعرب أفراداً وجماعات ودولاً أي مصلحة في حصول ذلك .

من المؤسف أن الجريمة – ذات الاستهداف والفعل الخارجيين – قد استغلت المشاكل التي تعاني منها مصر ، وحالة التصدع التي أصابت المجتمع المصري ووحدته الوطنية ، نتيجة انسداد الأفق أمام التغيير ، واستفحال مفاعيل الاستبداد المديد ومفرزاته على الحياة العامة ، من قصور في الحياة الديمقراطية ، وتشوه في دور الدولة المدنية ومفهوم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات التي يفترض بل يتوجب أن تقوم عليه . ومن المؤكد أن روح الانغلاق والتعصب والتطرف الديني ، التي فشت في المنطقة خلال العقود الثلاث الماضية ، وفتاوي المقاولات التي روجت لها الفضائيات الدينية والصحف الصفراء المشبوهة على الجانبين ، مهدت الطريق في أرض مصر أمام نوازع الإرهاب ومخططات التخريب ، مثلما فعلت في غير مكان من الأرض العربية الواسعة .  

إن ردة الفعل المصرية على صعيد المجتمع والدولة تشير إلى عمق إدراك المصريين لمدلولات حادثة الاسكندرية وتداعياتها الممكنة . وتشي بمقدمات صحوة ، تحصن مصر من الاختراقات ، وترفع عنها أسباب الضعف التي أنهكتها ، لتحقيق طموحها لاستعادة دورها الرائد والقيادي في الحياة العربية . مثلما أبرزت المواقف العربية الرسمية والشعبية خطورة ماجرى في مصر ، ليس على مصر وحدها ، إنما على المنطقة ومستقبلها .

ما جرى في مصر ، وما يجري في دول المشرق العربي وشمال أفريقيا ، يعلن بصوت لا لجاجة فيه ، أن الدولة الوطنية في العالم العربي تعاني أزمة خانقة بل قاتلة ، وتواجه تحديات جادة ومصيرية . وأن العلاقة التسلطية التي بنتها مع المجتمع قد وصلت إلى حد لم يعد يقبل التجاهل أو الصمت . لأنها بلغت أوج نتائجها السلبية والخطيرة ، ليس على الحياة العامة في المجتمع فحسب ، إنما على وجود الدولة نفسها وقدرتها على الاستمرار ، بل على مصير البلاد بأسرها . ولن تكون مآلات الأمور في الصومال والسودان واليمن إلا مؤشرات على الطريق .

فهل تصل الرسائل البليغة التي ترسلها أحداث الاسكندرية وسيدي بوزيد والجزائر وبغداد وصعدة ودارفور إلى المعنيين بوضوح ساطع ؟ !

أما آن الأوان للإقرار بأن الأمر لا يتعلق بشأن أمني ، يختفي هنا ليظهر هناك ، بل بشأن سياسي اجتماعي وطني بامتياز ؟ !

وهل يصل حكامنا إلى الاستنتاج الصحيح وفي الوقت المناسب بضرورة التغيير ؟ !

 

6 / 1 / 2011

                                                                                                        هيئة التحرير

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.