مقالات:

0
565

تحديات ثلاثة تهدد الدولة العربية بالانهيار

عمرو حمزاوي

تتعرض الدولة ومؤسساتها في مناطق مختلفة من العالم العربي لتحديات عميقة تتراوح بين خطر انهيار أو فشل مؤسسات الدولة وبين الحاجة إلى تحديث وتطوير أنظمة الحوكمة بهدف تلبية متطلبات المواطنين في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، ثمة نزر يسير للغاية من الكتابات السياسية ومن النقاش العام حول هذه التحديات وما ينجم عنها من ضعف الدولة وتضعضعها. بدلاً من ذلك، ما لبث التركيز على مساوئ ونواقص نظم الحكم، خاصة في مجالي الديمقراطية والتعددية، طاغياً ويؤسس عليها للدفع بأولوية الإصلاح السياسي والاجتماعي.

بيد أن مثل هذه المقاربة للدولة بوصفها ليست مأزومة وبكون جذور مشاكلنا تكمن فقط في النظم تحول بيننا وبين إدراك عمق التحديات الراهنة وحقيقة أنها لن تزول على المدى القصير عبر عملية دمقرطة أو إصلاح. ففي بعض الحالات القصوى، على غرار اليمن والسودان والعراق ولبنان، أُضعفت الدولة إلى الحد الذي لم يعد معه انهيارها أو فشلها احتمالاً قصيّاً. وفي حالات أخرى، وكما يدلل واقع المغرب ومصر وسورية والأردن وبعض دول الخليج، وعلى تنوع بيئاتها السياسية والاجتماعية، تواجه مؤسسات الدولة تحديات بالغة للقيام بوظائفها وللاستجابة لمتطلبات المواطنين بفعالية وبقدرة تنافسية في عالم متزايد التعقيد.

تحليليا يكمن في هذا السياق، وهو ما سيُشكّل العمود الفقري لمشروع بحثي جديد سنقوم أنا وزميلتي مارينا أوتاوي بإطلاقه في مؤسسة كارنيغي، تحديد ثلاث مجموعات متمايزة من التحديات التي تُواجه الدولة العربية. تتمحور المجموعة الأولى، الأكثر إلحاحاً وخطورةً، حول احتمالية انهيار أو فشل الدولة. اليوم، على الأقل في دوائر محللي وصانعي السياسة في الغرب، باتت القناعة بأن اليمن دولة تسير على درب الفشل لا تقبل المحاججة في ظل تراجع قدرة السلطة المركزية على السيطرة الأمنية على أراضيها وإدارتها ومع تنامي حضور ووزن طيف واسع من القوى اللادولتية القبلية والمذهبية والجهادية التي تصارع السلطة وتتصارع مع بعضها بعضاً على نحو كثيف ومتفاقم. بل ان بقاء الدولة اليمنية بكيانها الراهن، أي كما تبلور منذ الوحدة، لم يعد يبدو في قراءة هذه الدوائر محصلة حتمية.

أما السودان، فقد صار من المتوقع حدوث الانفصال بين الشمال والجنوب حين يتم إجراء الاستفتاء في الجنوب حول خياري الوحدة والاستقلال في 2011، بينما تواصل الحكومة في الخرطوم إساءة إدارة أزمة منطقة دارفور إلى الحد الذي أضحت معه مؤسسات الدولة غير قادرة على القيام بوظيفتي الأمن وتخصيص الموارد لسكان المنطقة. ومع أن مؤسسات الدولة العراقية قد تبدو أكثر تماسكاً وأقل عُرضة لخطر الانهيار الآن عما كان عليه الحال عامي 2005 و2006، إلا أنها ما زالت تعاني من تصارع قوى سياسية ومجتمعية على النفوذ بداخلها وتهافتها على السيطرة عليها انطلاقاً من رؤى متناقضة للدولة ووظائفها ووفقاً لأجندات سياسية متباينة. ففي حين يدفع الأكراد باتجاه إقامة نظام فيديرالي بالغ اللامركزية وأقلمة توزيع ثروات العراق الطبيعية، يخشى السنّة وأخيراً بعض الجماعات الشيعية أن فهماً كهذا للفيديرالية يُوازي تفكيك الدولة. ثم إن التحديات التي تُواجه الدولة العراقية تتصاعد باستمرار نظراً لتضارب أجندات القوى السياسية المؤثرة وهو ما رتب منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة حالة من الشلل الكامل أو شبه الكامل لمؤسسات الدولة والحكم. وبالطبع، يُمكن أن نضيف إلى اللائحة العربية للدول المهددة بالانهيار أو الفشل حالة الدولة التي انهارت بالفعل، دولة الصومال، والتي لم يعد هناك في محيطها الإقليمي ولا في المجتمع الدولي من يسعى إلى إعادة كيانها إلى ما كان عليه قبل الحرب الأهلية.

المجموعة الثانية من التحديات التي تواجه الدولة العربية ترتبط بالحالات التي تنتزع بها القوى اللادولتية بعض الأدوار والوظائف التي عادة ما تضطلع بها مؤسسات الدولة وتشرع من ثم في ترسيخ ذاتها أمام المجتمع والمواطنين كبدائل فعّالة. ولا شك في أن لبنان يجسد هنا ومنذ أمد بعيد الحالة الأكثر وضوحاً، فالدولة فيه تخلّت تدريجاً عن دورها في الإدارة الأمنية والخدماتية للضاحية الجنوبية من بيروت وللجزء الجنوبي من البلاد، بحيث باتت الضاحية والجنوب تحت حكم «حزب الله» الذي بات مسؤولاً عن كل شيء فيهما، من تنظيم المرور إلى توفير خدمات التعليم والرعاية الصحية والتوظيف. ومع ذلك، لا ينبغي حصر صعود القوى اللادولتية ومنازعتها الدولة اللبنانية وسيادتها بمسألة قوة «حزب الله»، إذ إن الدولة ومنذ الحرب الأهلية نقلت عملياً الإدارة الأمنية والوظائف المتعلقة بالتمثيل السياسي وبتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الى منظمات ومجموعات مذهبية المنشأ والهوى تعتني بفئات محددة من اللبنانيين وفقاً لمعايير الانتماء المذهبي والهوية الطائفية (ومن ثم يفقد اللبنانيون بالتبعية وضعيتهم كمواطنين ويزول رباط المواطنة بين الدولة والسكان). بل ان منطق «المذهبة» و «التطييف» يتجاوز الأمن والتمثيل السياسي والخدمات الى مختلف جوانب صناعة السياسات العامة، بما تتضمنه من تخصيص للموارد الداخلية والخارجية (المساعدات الإقليمية والدولية) ولمناحي الإنفاق الحكومي.

إلا أن لبنان ليس بالدولة المُتداعية، إذ إن ما يميّزه، وعلى رغم القيود الشديدة الواقعة على الدولة وسيادتها، عن دولة يتهددها الانهيار كاليمن، هو أن تقاسم السلطة وتوزيع الوظائف والأدوار بين القوى اللادولتية وبعضها بعضاً قد صار منهجياً ومقبولاً إلى حد بعيد ومكن من ثم لبنان كدولة بعد انتهاء الحرب الأهلية من الاستمرار والقطاعات الحيوية في المجتمع من العمل بطريقة ما.

أدرك أن الانفجارات الدورية للعنف الطائفي تُظهر أيضاً أن مثل هذه التفاهمات الضمنية التي تسمح للبنان بالحفاظ على مظهر الدولة هشة للغاية وقد تنزوي بسرعة في حال بدأت القوى اللادولتية أو بعضها على الأقل في التصرف استناداً إلى تعريفات متباينة حول ما يعنيه ما تبقى من سيادة الدولة. والمؤكد أن الوضع الحالي في لبنان يضيف إلى هذه الحقيقة معطيات مثيرة للقلق الشديد، فالمجابهة الدائرة بين قوى 14 آذار و8 آذار، والمتمحورة حول المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، تنطوي بين ثناياها على مجابهة أخرى بين المدافعين عن الدولة اللبنانية الراهنة وما تبقى لمؤسساتها من قدرة على ممارسة السيادة وبين تلك القوى التي تعتقد أنها لا تستطيع أن تنمو وتزدهر إلا عبر فرض كامل سيطرتها على الدولة الحالية ومنعها المطلق من ممارسة السيادة وفي خاتمة المطاف استبدالها بصيغة أخرى للدولة.

أخيراً، تتلخص المجموعة الثالثة من التحديات التي تواجه الدولة العربية في التفاوت البادي في الكثير من البلدان العربية بين حداثة التراكيب والبنى الاجتماعية والاقتصادية وبين تقليدية الأنظمة والمؤسسات المتوقع منها أن تدير الدولة وتضطلع بوظائفها وأدوارها إزاء المجتمع. وقد أفرز التفاوت هذا معضلة حوكمة، ليس فقط بمعنى غياب الحكم الرشيد الذي يحترِم حقوق المواطنين، بل أيضاً تراجع القدرة الأساسية للحكم على صناعة وتطبيق السياسات العامة. ففي بعض بلدان الخليج على سبيل المثال، تغيّر المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع في مجالي التعقّد المؤسسي والتعددية الوظيفية من أنظمة ومؤسسات الحكم ما أسفر عن جعل الأخيرة تلهث للّحاق بالركب وللتأسيس لترتيبات جديدة قادرة على إدارة الطبيعة المُتغيّرة للمجتمعات. وفي مجموعة أخرى من البلدان كالمغرب والجزائر ومصر، تبلورت في لحظات ماضية مؤسسات حكم قوية صنعت السياسات العامة بانفرادية وتميزت بقدرتها على ممارسة درجة معتبرة من السيطرة على المجتمع وتمكنت بالتبعية من إقامة أنظمة أوتوقراطية والحفاظ عليها. بيد أن المؤسسات هذه، وبسبب الكثير من التطورات الاجتماعية والاقتصادية، تعاني اليوم من تراجع حاد في قدرتها على الاضطلاع بالد ورذاته وتُواجه لذلك ممانعة شعبية متنامية خصوصاً مع رغبة النخب القائمة عليها في الإبقاء على الطبيعة الأوتوقراطية من دون تغيير.

07 أكتوبر 2010 – الحياة

++++++++++++++++++++++++++++++++

 

مثقفو اليسار وما تبقّى من الزعامات الفكرية

دلال البزري 

لم يعودوا شباباً هؤلاء المثقفين اليساريين، المتمسّكين بيساريتهم، مثل المتمسّك بهويته؛ وإن تحلق حولهم، في محيطهم الضيق، مريدون أو معجبون من عمر الزهور. وهم فئات وأنماط: بعضهم يساري انثربولوجياً، اذا جاز التعبير؛ أي انه لم يعُد مؤمناً، كما كان، بالماركسية اللينينية إيمان المهتدي بدين من أديان الدنيا، ولكنه يتصرّف كما لو ان قيم اليسار الاجتماعية و»الجمالية» هي خريطة طريقه. بعضهم الآخر احتفظ من عهده اليساري الذهبي بطريقة، أو اثنتين على الأكثر، في الكلام أو اللهو أو العمل أو حتى اللباس، يمكن وصف مجملها بالـ»بوهيمية»، أو «الهيبية». فيما ارتاح الآخر إلى مرارة زادت من كهولته وشجعته على انكماش أصبح الآن ميعاده، على ما يتصوّر.

وذهب البعض الآخر نحو الحل الأسهل، اي انه اهتدى إلى الايدولوجيا الدينية السائدة، وصار مناضلا في صفوفها، أو على أطرافها. والذي كان توقيته للهداية مبكرا، وله روح «القيادة»، باتَ «مناضلا» في قيادتها. كما أن هناك من حوّل نضاليته باتجاه حقوق الإنسان والبيئة والمرأة والتنمية المستدامة والمجتمع المدني… فوجد سعادته في جمعيته الخاصة، وكانت يساريته، «الأخلاقية« خصوصا، أكثر من الفكرية أو الثقافية، ركناً من أركان انتمائه إليها.

آخرون احتضنتهم قناة «الجزيرة» ودولتها الغنية، فأصبحوا مواطنين ممتازين على أراضيها، يتمتّعون بصفة «مفكرين» وبمعاملة الشخصيات الهامة (VIP)، يواصلون النضال والتأثير «الجماهيري» من خلاله القناة. ومن نفس العيار «القيادي» لهذه الفئة الأخيرة، ولكن بعيدا عن «الجزيرة»، يبقى هؤلاء اليساريون الذين كانوا في شبابهم قياديين، «زعماء»، في أيام العزَ، وهم حافظوا على هذه الدرجة الرفيعة من اليسارية، موقعا ومقاربة.

والفئة الأخيرة هي التي ما زالت تسجل وجودها في المنابر وتمنحنا مواقف و»تحليلات» ماركسية، يسارية، وتشيد بالحياة المديدة للماركسية او اللينينية او اليسارية: فتفكر بصيغ من نوع «ماتت… لم تمت… أرادوا لها الموت… ولكنها حيّة». ولأن المجتمع اللبناني كان منقسما بين من يتوق إلى دولة وآخر يديم «المقاومة»، فان اليساريين أيضا منقسمون، بين محبّذ للأصولية الشيعية ومؤيد للأصولية السنية. وتجد من بينهم أيضاُ من يضع رجلا هنا وأخرى هناك. وهم منجرّون إلى محاور لصراع خارج من سيطرتهم واستيعابهم، فرضته المرحلة؛ فيبدون مفوّتين، يبشرون بمرحلة انقضت من هذا الصراع، وهذا خلط لا تستوي أمامه طليعية اليسار االقديمة، ولا محاور الصراع التي يرى اليساريون انها الأسلم لخوض «معاركهم» الثانوية، التي لا تنقص ولا تزيد قيد أنْملة من مجرياته. فالانقسام المذهبي الجديد في المنطقة يعوزه تحليل من نوع آخر، عدّة ثقافية أخرى.

وهذا الانقسام لا يبدو مهماً، أو حتى حاصلاً أحياناً، أمام مراوحة هؤلاء «الزعماء الفكريين» حول طروحاتهم القديمة، والتي يصمدون بواسطتها في وجه وقائع أفولهم. ما هي المادة الفكرية التي ينتجونها؟ السكاكين الحادة التي يواجهون بها كل من تسول له نفسه الخروج عن تفصيل من تفاصيل الآراء اليسارية، أو ضد المهتدين المتأخرين إلى الايدولوجيا الدينية المهيمنة. وأمر الاهتداء هذا هو الأكثر بساطة من بين المسارات الأخرى، نظرا لتشابه كنائس اليسار مع معابد الهيمنة الدينية الجديدة: من ايمانات صارمة، وطقوس ولاء، ورقابة ذهنية. يطلقون أقسى العبارات، ينعتون «خصمهم» الجديد بأبشع النعوت، يوجهون له الأسهم المسمومة… ثم يمضون بعد ذلك في إعادة تأكيد، للمرة الألف، بأن الماركسية لم تمت… الخ. ما هو مضمون «فكرهم»؟ ما هي جهود «فكرهم»؟ لا شيء تقريباً. صفر، اذا ما قيس بفداحة التغيرات وتعقّدها. يكتفون بلعن الطوائف مثلاً، أو الأنظمة أو الامبريالية والصهيونية طبعاً؛ ولكن اذا قارنتَ بين ما يكنّوه من عداء شرس ضد خصومهم من اليساريين السابقين، التحريفيين، وبين نعومة تناولهم للهيمنة الجديدة التي ازاحتهم عن عرشهم، تحار حقاً. لماذا لا يبرزون الا عندما «ينحرف» نفر من بينهم؟ ثم يعودون للانجراف في نهر الطوائف الأصولية وكأنه مجرى طبيعي من مجريات التاريخ؟

حسناً؛ اذا كانوا على هذه الدرجة من الهشاشة والخواء أمام ما يطرحه العصر من تحديات على «فكرهم»؟ ألا يراجعوا هذا الفكر؟ أو يقولوا انهم لم ينتبهوا إلى هذه او تلك من الظواهر المبكرة لتشقّق سقوفهم؟ ما الذي يجعلهم على هذا القدر من العنف مع «ذويهم»، وعلى نفس القدر من المهادنة لكل مكوّنات التركيبة الطائفية الأصولية التي فرضت سطوتها على البلاد؟ بدل الاكتفاء بتكرار عظمة فكرهم وتمجيد خلوده؟ وتحويل تحريضهم وتعبئتهم السابقين الى مجرد ثرْثرة يسارية؟ ربما لا يريدون فقدان مواقعهم «القيادية». تأخروا كثيرا، وكلما تمسكوا بالموقع، شعروا بالمزيد من التأخير. يخشون ربما العودة إلى حيث نشأوا، الصفوف «الجماهيرية» التي «قادوها» لعقود؛ لا يستطيعون تخيل أنفسهم من بين صفوفهم المتواضعة. الخوف من ذوَبان كل هذه «الشخصية» في المجهول، فيما كانت في عداد الملوك، من زمن ليس بعيد… كان اليسار سيد الموقف وبات في المؤخرة؟ كانوا في قيادة هذه المركبة الغارقة؟ لا بأس، يبقون على متنها، كقادة تاريخيين للسفينة، بالتكرار والتكرار من غير ملل، بأن «الماركسية لم تمت…». مثل الزعماء، يحاسِبون ولا يحاسَبون، يحافظون على عروشهم بقوة تراكم سنواتهم فيها. الزعامة عندهم سياسية، حزبية، اذن «فكرية» أيضا. ولكنهم لا يدركون، في ظل زعامتهم هذه، انهم يُستخدمون من قبل نفس هذه الهيمنة في إعطاء وجها «حداثيا» مقبولا، يسوّقون لها من دون ان يعوا ربما؛ ولكنهم يعطون الأولوية لزعامتهم التي لا يصونها الا حفاظهم هم على الميزان الفكري الجديد للقوى.

في بداية الستينات من القرن الماضي، كان ياسر عرفات وأبو جهاد، وهما عضوان في تنظيم «الإخوان المسلمين»، يخطّطان لتأسيس حركة «فتح». وقد تنبّها أثناء هذا الإعداد إلى ان الهيمنة الفكرية الكاسحة للناصرية ولمرادفاتها من تقدمية ويسارية، لن تتيح لهما ولتنظيمهما أخذ راحته بأفكاره الإسلامية. فالعهد الاستقلالي الجديد كان متفوقا على شيء آخر. وببراغماتيته المعروفة، استطاع عرفات ان يقنع صديقه بالتخلي عن الايدولوجيا الدينية واعتناق الناصرية وملحقاتها. طبعا كانت النتيجة التي يعلمها جميعنا: لا فلسطين استرجعت في ظل هذه القيادة المتحولة إلى دين جديد بسرعة بضعة اجتماعات حزبية. ولا الإيمان الجديد الناصري حصّن رجالها من التناحر. فما ان رحل الزعيم حتى انفجر الانقسام الفلسطيني بين دعاة الاخوانية والسلفية والجهادية من جهة، وبين دعاة ليبرالية «ديمقراطية» حداثية من جهة أخرى؛ مع رجحان قوي لدعاة الجهة الأولى. لكن الأمر الوحيد الذي أنجزه عرفات طوال حياته السياسية انه بقي زعيماً للفلسطينيين. وهذه غنيمة غالية، لا باس من قتل الناس من أجلها.

الآن، اذا كان ياسر عرفات معذوراً آنذاك، اذ كان شاباً، يملك الوقت للاعتقاد بأن تحايله على القدر سوف ينقذ فلسطين، فلم يستطع صون الا زعامته، فهل تكون مهادنة زعمائنا اليساريين وانحناءاتهم طريقة فذّة أخرى للحفاظ على مواقع غالية، أغلى من قناعاتهم، ربما أغلى من حياتهم؟

24/10/2010 المستقبل

++++++++++++++++++

 

لقطات من بلدنا

عبد الكريم أبا زيد

1- حفيدتي وكتاب (التربية القومية)

جاء في “كتاب التربية القومية” للصف التاسع ما يلي:

“إن ثورة الثامن من أذار عام 1963 التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي جاءت رداً على الانفصال ومرتكزاته في سورية”.

سألتني حفيدتي طالبة الصف التاسع: هل صحيح أننا قضينا على الانفصال وأعدنا الوحدة مع مصر كما في كتاب التربية القومية؟ قلت لها، لا، هذا ليس صحيحاً. فقد بقيت سورية منفصلة عن مصر، ورفضنا الوحدة معها عندما جرت المفاوضات بين قادة حزب البعث في سورية والعراق  وجمال عبد الناصر. واشترطوا على عبد الناصر مقابل قبولهم بالوحدة أن يبقوا هم الحاكمون في سورية والعراق وعبد الناصر في مصر.

فقال لهم، وهل هذه وحدة عندما يحكمها ثلاثة رؤساء؟ وهكذا فشلت الوحدة التي هي الشعار الأول في مبادئ حزب البعث. ولكن الشيء الوحيد الذي انتقمنا فيه من عهد الانفصال هو حالة الطوارئ. فقد ألغاها. ولكنا أعدناها بعد الثامن من أذار لكي يبقى في نفوسنا شيء من أيام الوحدة.

سألتني: وهل إذا أجبت عن سؤال في الفحص:هل قضت ثورة الثامن من أذار على عهد الانفصال لإعادة الوحدة، بلا، هل آخذ علامة تامة؟ قلت لها: لا، ستأخذين صفر، وربما يرسبونك في بقية المواد…

2- سجن خمس نجوم

افتتح ملك النروج أحدث سجن في البلاد يتسع ل 250 نزيلاً تحت شعار معاملة النزلاء بإنسانية تعزز فرص إعادة اندماجهم في المجتمع”.

يضم السجن أحدث مرافق الترفيه من استوديوهات ومسارات للركض ومنازل من غرفتين ليستضيف فيها النزلاء عائلاتهم لقضاء الليل. وجهزت الغرف بتلفزيونات حديثة بشاشات مسطحة، وثلاجات صغيرة إضافة إلى نوافذ عمودية طويلة لإتاحة مزيد من نور الشمس. ولم تستر النوافذ بأية قضبان حديدية، ومعظم الحراس من النساء.

 ترى لو سمحت السلطات النروجية للمواطنين العرب بالهجرة إلى النروج بصفة سجناء لا مواطنين؛ فكم يبقى لدى الحكام العرب من مواطنين ليذيقونهم سوء العذاب في سجونهم السياسية التي لا ترى النور وعلى عمق عشرات الأمتار تحت الأرض؟

3- خريج حبوس

صديقي أبو رنيم “خريج حبوس” فعلاً. فقبل نصف قرن دخل السجن بصفة معارض سياسي. قضى فيه ثلاث سنوات. ولكنه قبل أن يدخل السجن آنذاك، تخرج من كلية العلوم قسم الرياضيات. وباعتباره “مدمن حبوس”، لم يقعد عاقلاً، ولم يحبس لسانه في فمه. وجاء نظام آخر أشد قسوة لا تاخذه بطويلي اللسان لومة لائم. فدخل السجن مرة ثانية لفترة تزيد على العشر سنوات.

سرح من الوظيفة أثناء سجنه الأول، ولكن حكم الانفصال البغيض أعاده إلى وظيفته. أما في سجنه الثاني فقد سرحوه من وظيفته ولم يعيدوه إلى عمله.

كان أبو رنيم هذا الذي سجن مرتين،لأسباب سياسية، في سهرة في أحد المطاعم على ضفة نهر بردى بدعوى من أحد اصدقائه المثقفين. ومن حديث إلى حديث تعهد هذا الصديق أن يبحث موضوع إعادته إلى التدريس مع اصدقائه من كبار المسؤولين. وبالفعل فقد قابله وعرض عليه الموضوع. صفن صاحبنا المسؤول الكبير برهة ثم قال: كان بودي بالفعل أن أساعدك، ولكن هل تريد يا صديقي أن أعيد إلى الخدمة” خريج حبوس”. ما ذا سيقولون عني؟ هل تريد ان تسيء إلى سمعتي وانا سمعتي “مثل المسك”.

4- مجلس يعيَّن قبل أن ينتخب!!

بلغونا، نحن الكتاب المنتسبين لفرع دمشق في اتحاد الكتاب العرب، بأن انتخاب مجلس جديد للفرع سيجري يوم الإثنين السادس من أيلول.

 حضرنا في الموعد المحدد.قالوا لنا: “يطعمكم الحج والناس راجعة”! استفهمنا منهم الأمر! قالوا لنا: بسبب الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها الأمة العربية والمؤامرات الأمبريالية والصهيونية التي تحاصرنا من كل جانب، فقد ارتأت القيادة السياسية أن الظروف التي نمر بها لا تسمح بإجراء انتخابات وتشتت الآراء. ولهذا فقد تقرر أن يجتمع البعثيون المنتسبون لفرع دمشق فقط وينتخبوا مجلس الفرع.

وبالفعل فقد اجتمع البارحة 34 بعثياً من أصل 320 كاتباً منتسبين لفرع دمشق وانتخبوا بالتزكية لجنة من ستة كتاب.ثلاثة أصلاء وثلاثة وكلاء. وكفى الله الكتاب شر الانتخابات.

وأنا من جهتي مع هذا التوجه. فأنا أعرف الكتّاب والمثقفين على وجه العموم، إذا اجتمع عشرة منهم تسمع عشرة آراء، والمطلوب رأي واحد صارم وحاسم! فما بالك لو اجتمع 320؟

قريباً سينعقد المؤتمر العام الثامن للاتحاد العام للكتّاب على نطاق سورية لانتخاب مجلس جديد. وأرى حفاظاً على وحدة الصف، أن يتكرر ما جرى في مؤتمر فرع دمشق. فالقيادة السياسية أبعد نظر منا، وتقديرها للأوضاع السياسية أكثر صواباً، فهي ترى ما لا نرى، وتقدِّر مالا نقدِّر، وإذا ترك الحبل على الغارب للكتّاب أن يقرروا من يكون أو لا يكون في المجلس الجديد، فسنسمع ألف رأي ورأي،  لأن عددهم يناهز الألف.

فليتكرر ما جرى في فرع دمشق، وليبق الكتّاب والأدباء وجميع المثقفين صفاً واحداً خلف قيادتهم الحكيمة، والله الموفق!

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.