الوضع الإقليمي المأزوم هل يخرج من العناية الفائقة؟

0
641

صحيح أن حالة عدم الاستقرار التي تعم الشرق الأوسط من أقصاه إلى أقصاه ليست استثنائية ولا طارئة، فهي الصفة الأبرز للأوضاع في المنطقة منذ أكثر من قرن من الزمان، حتى غدت من سماتها الرئيسة وإحدى حقائق الحياة فيها. غير أن مجريات الأمور حولها وتطور الأوضاع في فضائها خلال العقد المنصرم، وانعكاسات السياسات الدولية عليها، أدخلتها في طور جديد من الاحتقان والتوتر، يمضي عمقاً واتساعاً ليضعها على حافة المجهول، ويفتحها على آفاق تنذر بالخطر. وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، فوق ما تعانيه المنطقة أصلاً من فشل في التنمية وترد ٍ في الأوضاع المعيشية، لتزيد من حدة التوترات الداخلية والإقليمية المرشحة للتفجر على شكل صراعات مفتوحة، تتميز بالعنف والتعقيد وسرعة الانتشار.

من هنا صار الوضع العربي مثار اهتمام السياسات الدولية والإقليمية وموضوعها. لأنه الساحة التي تتصارع عليها المشاريع، والتركة التي تتخاطفها الصفقات. فالصدامات على أرضه والتسويات على مصالحه، في ظل غياب قاتل للحضور العربي. ومن هنا يمكن فهم الزيارات الرئاسية المكوكية التي حلت محل الدبلوماسية الرسمية، وازدحام حركة المبعوثين للقصور الرئاسية والملكية. ومن الأكداس الهائلة للتصريحات والمبادرات والمباحثات تبرز حقيقة ساطعة، تعلن تعقد القضايا واحتدام الصراع وتأجيل الحلول.

تبرز عوامل عدم الاستقرار في المنطقة من خمسة مصادر: إسرائيل وسياساتها وأهدافها، الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته، إيران ودورها وطموحاتها، الإرهاب الدولي وآثاره، أنظمة الاستبداد ومفاعيلها

*           *           *

* تبقى إسرائيل ومنذ نشوئها الفاعل الأكبر في عدم استقرار المنطقة، بفعل وجودها العدواني وسياساتها العنصرية التوسعية ومشاريعها الاستيطانية. تعززها غطرسة القوة المستندة إلى دعم مادي ومعنوي لا مثيل له، من الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وبفعل عدم احترامها للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، وخرقها المستمر لقرارات الأمم المتحدة، وإعاقتها لمشاريع التسوية للصراع العربي – الإسرائيلي، وإنكارها التام للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتي أصبحت موضع اتفاق عربي ودولي. ممثلة بحقه في إقامة دولة مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، مع حفظ حق العودة للاجئين.

  وفي الوقت الذي تبلور فيه موقف عربي موحد حول ” المبادرة العربية “، وموقف دولي حول “حل الدولتين”، تمضي إسرائيل (كدولة وكمجتمع) بعيداً في تماديها بالتطرف والعنصرية والتخريب. فخلال السنوات الأربعة المنصرمة، أشعلت حربين كبيرتين واحدة على لبنان وأخرى على غزة، لم يستطع العالم قبول وتفهم حجم العنف والتدمير الذي أوقعته الآلة الحربية الإسرائيلية، فيما تستمر بأعمال الاستفزاز والعدوان اليومية عليهما. وقد طورت مؤخراً توجهها العنصري الفظ، عندما طالبت بالاعتراف بها كدولة يهودية. وكذلك عندما صادق الكنيست على فرض إجراء استفتاء على أي اتفاقات سلام مع العرب تقوم على مبدأ “الأرض مقابل السلام” وهو ما يعني أساساً القدس الشرقية وهضبة الجولان. ناهيك عن الأدوار السرية والمكشوفة التي تلعبها لاختراق الوضع العربي وتخريبه سياسياً وأمنياً واقتصادياًً من شمال العراق إلى جنوب السودان.

* إن احتلال العراق عام 2003 وتحطيم الدولة وحل الجيش على يد قوات الاحتلال الأمريكي، أحدث اختلالاً كبيراً في معادلات توازن المنطقة واستقرارها. صب الماء في طاحونة إسرائيل وإيران، إذ يسوء كلاً منهما وجود عراق قوي  وموحد. ونتيجة لسياسات الاحتلال القائمة على تحطيم الوطنية العراقية، وكبح أي دور عربي في معالجة شؤونه، استفردت إيران بالعراق وانطلقت تعبث بمقدراته. فزادت العلاقات العربية – العربية تصدعاً، وأججت الحالة المذهبية والطائفية والعشائرية فيه، وعملت على نقلها إلى الجوار. بحيث صارت عنواناً لفتنة ومشاريع حروب أهلية، تطوف الأرجاء العربية والإقليمية، وتسمم الأجواء والعلاقات.

لقد أهدى الاحتلال وسياساته وإجراءاته فرصة ثمينة لإيران، فوسعت تمددها، وزادت من نفوذها، ومضت في مشروعها لفرض هيمنتها الإقليمية من أفغانستان إلى لبنان. وعلى الرغم من الخلاف الظاهري بين الطرفين، فقد برز التوافق بينهما في العديد من المواقف والقضايا في هذه المرحلة. وكان من تداعيات هذا الاحتلال بروز التعصب والتطرف معززاً بمنظمات إرهابية، تمارس العنف الأعمى، وتؤجج الانقسامات والصراعات الأهلية، التي أثرت سلباً على كيان الدولة، ومزقت المجتمع، وعرضت أمنه ووحدته واستقراره لأخطار حقيقية. فغادر مئات الآلاف من العراقيين وطنهم هرباً من الإرهاب الطائفي وطلباً للأمن والاستقرار. ووقعت مقدرات البلاد وثرواتها نهباً للطامعين والفاسدين واللصوص.

* بتفكيك العراق كدولة وكمجتمع، تحصلت إيران على وضع جديد وموقع كانت تنتظره، وتسعى إليه منذ رفعت شعار ” تصدير الثورة ” مع بداية الثمانينات. وأتاح لها الوضع الجديد متنفساً لتصدير أزماتها وتطبيق سياساتها واستعراض مواقع نفوذها وقوتها في الواقع الإقليمي والدولي بصلف غير معهود. وتشير كافة التحليلات في الشأن العراقي إلى أن التدمير الممنهج للعراق ودخوله في متاهة العنف والعنف المضاد، يخرج من العباءة الإيرانية، التي تعمل حتى اليوم للحؤول دون خروجه من نفق التفتت إلى رحاب المشروع الوطني والحاضنة العربية. وقد أغرت حالة الضعف والانقسام العربي إيران بتنفيذ طموحاتها على حساب العرب. فوجدتها فرصةلانتزاع اعتراف دولي بدورها كقوة إقليمية كبرى، تملك مرتكزات القوة على الساحة الدولية من خلال التحكم والتأثير في أهم مواقع إنتاج النفط وطرق تصديره، وعبر امتلاك القدرة النووية لتتويج إمكانياتها العسكرية المتنامية. فامتدت بأذرعها الأمنية والعسكرية والسياسية غرباً باتجاه الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط. وقامت بادوار سلبية بارزة لتعكير صفو الوحدة والاستقرار في الأراضي الفلسطينية، وإبقاء لبنان على شفير صدامات وحروب لا مصلحة للبنانيين في وقوعها. فبين أفغانستان ومصر اتسع ملعب الإيرانيين، ومن “ولاية الفقيه” إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية امتد أفق طموحاتهم.

تفاقمت في إيران مؤخراً عوامل عدم الاستقرار الداخلي بعد الانتخابات الرئاسية، وما أفرزته من تشكيك بشرعية السلطة الدينية والزمنية للمرشد الأعلى والسلطة السياسية للرئيس. حين جرى الاعتراض بقوة على نزاهة الانتخابات التي نجح فيها. ورغم شدة العنف في قمع الحركة الإصلاحية، إلا أن الوضع في إيران ظل أبعد ما يكون عن الاستقرار. فعززت تطورات الوضع الداخلي شهية النظام لاستثمار أقصى نفوذه في الوضع العربي (العراق – لبنان – فلسطين – اليمن) في مسعى لتغطية فشله في الداخل، ولتعزيز موقعه في صراعه مع المجتمع الدولي بشأن مشاريعه النووية والتسليحية. وجاء كشف الرئيس الإيراني عن مشروع حلف رباعي، يضم إيران والعراق وسورية ولبنان، في سياق إعلان وجوده الصلب في المعادلة العربية. مما استدعى إعلاناً تركياً لمشروع حلف آخر مشابه ومقابل. واستجر زيارة رئاسية تركية واضحة المرامي للبنان، لمواجهة زيارة نجاد الواضحة الأغراض لجنوبه.

* طبيعة الأعمال الإرهابية تولد عدم الاستقرار، من حيث فعلها العنفي الي يثير الخوف والتوتر في المجتمع، ومن حيث ردود الفعل المقابلة التي تستجرها. وبعد الحادي عشر من أيلول واحتلال أفغانستان والعراق، تفاقمت قضية الإرهاب في المنطقة، وتنوعت الجهات التي مارسته وشجعت عليه، وتعددت المواقع التي استخدمها ساحات لفعله. واختلطت أعماله الدموية المستنكرة بعمليات مقاومة الاحتلال المشروعة. إلا أن العراق يبقى الساحة الأوسع لبروز هذا النوع من الأعمال. استولدها استمرار الاحتلال، وتعثر العملية السياسية وتأخرها، وتهتك البنية المجتمعية بفعل التحريض، والحدود الطويلة مع دول جوار بأجندات مختلفة ومتناقضة. وهكذا لم تكن الأعمال الإرهابية في المنطقة من إنتاج أفراد ومنظمات محلية أو عالمية فحسب، إنما اتسعت لمشاركة دول معروفة أيضاً.

* عندما يكون الاستبداد حسب الكواكبي ” أعظم بلاء، لأنه وباء دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، وحريق متواصل بالسلب والغصب، وسيل جارف للعمران ” هل تبقى حاجة لبراهين إضافية على دوره في إشاعة عدم الاستقرار وتوليده؟! ليس في البلاد التي يحكمها فحسب، إنما في الإقليم الذي يتواجد فيه ايضاً.

فنظم الاستبداد التي فرخت في المنطقة، واستحكمت عبر الانقلاب أو الاستيلاء أو التوريث، وحكمت البلاد بوساطة طغم عسكرية أو سياسية أو قبلية أو عائلية خارج أي شرعية أو شريعة عدا إرادة الحكام ومصالح فئاتهم الضيقة، هذه النظم لا تستطيع أن تنتج استقراراً. فمن طبيعتها أن تقوض الاستقرار وتقوم على أنقاضه. ولأن الاحتفاظ بالسلطة هو الهدف الأساس للمستبدين، فهم لا يحللون ولا يحرمون، وفق نهج براغماتي رث، يمكن أن يضحي بمصائر البلاد والعباد على مذبح سياسات مغامرة وإجراءات قمعية، تلامس حد الإرهاب، وتركب موجاته إذا لزم الأمر.

ولا يكتفي نظام الاستبداد بتدمير السياسة والحياة العامة في البلاد فحسب، إنما تمتد يده إلى المجتمع، فيكسر وحدته وتماسكه بسياسات الإفقار والاستئثار والتمييز، ويسخر الدولة وأجهزتها وراء برامجه التسلطية، محولاً الوطن إلى مجرد أرض والشعب إلى ما يشبه القطيع. ولأنه لا يؤمن إلا بالحلول الأمنية ولا يتقن غيرها، فهو يلتمس أسباب القوة والدعم من خارج الحدود، عبر استطالات سياسية وأمنية عابرة، وتحالفات خارج السياق التاريخي وتنازلات ضد المصالح الوطنية والقومية للبلاد. وجميع الأنظمة العربية عدا لبنان تندرج في هذا السياق. وما النظام الذي يحكم بلادنا إلا نموذج باهر للاستبداد.

*              *              *

 ترزح المنطقة تحت وطأة اشتداد المآزق الإقليمية وتعقيداتها. وذلك على إيقاع احتدام الصراع الدائر على معادلات القوة والنفوذ بين مختلف القوى الإقليمية ومشاريعها (إسرائيل – إيران – تركيا) والقوى الدولية (الولايات المتحدة – أوروبا) ومشاريعها في المنطقة. ورغم الكثير من المفاوضات والزيارات والاتفاقات الثنائية والتسويات المؤقتة بين الأطراف المعنية، إلا أن الوصول إلى تسويات أو حلول دائمة ما زال متعذراً بل عرضة للانتكاس. في ظل الارتدادات العميقة لإخفاق جهود التسوية الأمريكية في فلسطين، وشل الدولة اللبنانية وتعطيل الحوار على أرضية استهداف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وعبور العملية السياسية في العراق في حقل من الألغام، واتكاؤها على توازنات هشة وتعاملات تشوبها الريبة وانعدام الثقة.

يجري الصراع بين المشاريع الإقليمية والدولية في المنطقة على حساب المصالح العربية. ويسعى كل منها لاحتلال مساحة من الفراغ الاستراتيجي القائم، ومد نفوذه في المنطقة العربية للتطاول على أمن وسيادة واستقلال الدول، واستقرار الشعوب ومصالحها الوطنية في العديد من البلدان، وتعريض الكيانات في أكثر من بلد عربي لخطر الانتهاك والانهيار والتفكك، والدفع نحو تمزيق مجتمعاتها، وزيادة حدة الانقسام الطائفي والمذهبي. وهنا يبرز دور إيران بقوة. فنتيجة لاعتلال الوضع السياسي وتأثير فائض النفوذ الإيراني ومواقع القوة التي أحرزها، ولدت بدعة “الديمقراطية التوافقية”، التي تبقي الأوضاع على شفير اهتزازات مفاجئة، وتعرض السلم الأهلي للتهديد الدائم. وتجعل التوجه نحو الحلول رهناً بقدرة أي طرف على التعطيل.

فعلى الرغم من التطورات الإيجابية التي حصلت في العراق، ممثلة بجدولة انسحاب قوات الاحتلال، وبتقدم العملية السياسية، ونتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلا أن الوضع فيه ما زال أبعد ما يكون عن الاستقرار. وينطوي على عوامل تفجر متعددة بين القوى المتصارعة. ليس أقلها مسألة كركوك، وحق تقرير المصير لإقليم كردستان الذي طرح مؤخراً، وتوجهات الاستبعاد والاجتثاث والإجراءات المتعلقة بها، والتي آن الأوان لإنهائها. والتدخلات الإيرانية السافرة على حساب سيادة الدولة العراقية ووحدة العراقيين التي يجب أن تتوقف. فقد لعبت إيران دوراً سلبياً بمواجهة تقدم العملية السياسية، وأعاقت تشكيل حكومة جديدة لمدة تسعة أشهر، على إثر الانتخابات التشريعية التي أتت على غير ما تهوى، في مسعى واضح لإعاقة بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية ومتوازنة ومستقلة. كما تستمر في تأجيج الخلاف بين اللبنانيين، وتحرض بشكل سافر ضد المحكمة الدولية وتحقيق العدالة. ويتصرف الإيرانيون قولاً وعملاً وكأن أمور هذين البلدين شأن إيراني بامتياز.

إن تراجع حدة الإرهاب وتقدم العراق باتجاه الاستقرار رهن باستمرار تقدم العملية السياسية بشكل حر ومفتوح أمام جميع العراقيين، وعلى أساس وطني جامع ومجمع على وحدة العراق واستقلاله. ومن خلال الالتزام بالحياة الدستورية والوسائل الديمقراطية، مع تعزيز الحريات العامة ومنع التدخلات الخارجية، ونبذ العنف والتطرف والتهميش.

 

شهدت الأشهر القليلة الماضية في لبنان تصعيداً في التوتر بين أطراف حكومة الوحدة الوطنية. سمم الأجواء السياسية والأمنية، وأقلق اللبنانيين والعرب، وأثر سلباً على الحركة الاقتصادية. صوَّب الخطاب المتشنج الذي أطلقه حزب الله وحلفاؤه مباشرة باتجاه المحكمة الدولية لإلغائها، وعلى مؤسسات الدولة السياسية والأمنية لتعطيلها، واضعاً اللبنانيين بين خيارين: الاستقرار أو العدالة. وكأن أحدهما مناقض للآخر. وقد أسرف هذا الفريق – المستند إلى توجهات السياسة السورية والدعم الإيراني غير المحدود – باستخدام لغة التهديد والوعيد والتخوين. غير أن الحقائق السياسية والقانونية على الأرض كانت تدفع هذا الخطاب إلى التراجع من متراس إلى متراس. في وقت كانت تسارع فيه الرعاية السورية السعودية لدعم استمرار التوافق القائم، وإبطال مفعول التوتر الذي أثاره القرار الاتهامي وقرب صدوره، وقضية شهود الزور وطريقة التعامل معها، لإتاحة الفرصة أمام الفرقاء للتعقلن وعدم الاندفاع نحو أعمال تحمل المخاطر. لكن النتائج الحتمية لهذا التصعيد انعكست توتراً مذهبياً، ظهر للجميع مدى خطورة الانجرار خلفه. ليس على اللبنانيين فحسب، إنما على صعيد المنطقة أيضاً. وهذا ما دفع القوى الإقليمية المعنية (سورية وإيران) للتنبه من مخاطر أي اهتزاز أمني، لتجنب انعكاساته التي يمكن أن تتجاوز الحدود اللبنانية.

تستثمر إسرائيل حالة الانقسام الفلسطيني إلى أبعد الحدود. حيث نجحت حالة التوتر والقطيعة بين فتح وحماس وبالتالي بين الضفة والقطاع في إعادة القضية الفلسطينية خطوات ملموسة إلى الوراء. فاستمر حصار غزة، وتقزمت السلطة الفلسطينية. وتستمر نيران إسرائيل في أعمال القتل اليومي في غزة وجرافاتها في أعمال الاستيطان في القدس والضفة. وامتدت بإجراءاتها التنكيلية بالفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر. وجاء تعثر الإدارة الأمريكية الجديدة وإخفاقاتها وعجزها عن إيجاد حلول لمشاكل المنطقة وأزماتها المتفاقمة كما وعدت، ليكمل سوداوية الصورة في الأراضي الفلسطينية، ويطبق بإحكام على التطلعلت الموعودة. وبعد عامين من المفاوضات المباشرة وعديمة الجدوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين برعاية أمريكية، أعلنت الولايات المتحدة فشلها في حل مشكلة الاستيطان، وهي اللبنة الأولى في أي مشروع جاد للتسوية. وبذلك تضع خارطة الطريق وجهود الرباعية الدولية والمبادرة العربية واتفاق أوسلو في مهب الريح.

فشلت السياسة الأمريكية في الوفاء بتعهداتها والتزاماتها، وتطبيق رؤيتها الاستراتيجية القائلة: “إن إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال حل الدولتين، بات يشكل مصلحة قومية للولايات المتحدة” وإن ” نجاح السياسة الأمريكية في المنطقة يرتبط إلى حد بعيد بحل المشكلة الفلسطينية “باعتبارها” الرحم السياسي ” الذي تتناسل منه مشاكل المنطقة. ويشكل تربة خصبة للعديد من المشاريع الإقليمية لقوى التطرف والإرهاب، بدءاً بإسرائيل مروراً بإيران وليس انتهاء بالقاعدة.

إن التوجه للاعتراف بالدولة الفلسطينية كأمر واقع، والذي بدأ من أمريكا اللاتينية، دليل على خيبة الأمل من السياسة الأمريكية والمشاريع والمبادرات الدولية وقرارات الأمم المتحدة. ويشير إلى وضع القضية برمتها على مفترق طرق خطير، يمكن أن يؤدي إلى سبل غير محسوبة وغير آمنة بالنسبة للجميع.

مواقع التأزم والصدام في المنطقة مفتوحة. وجميع مشاكلها المعلقة تحتاج لمزيد من المعالجة ومزيد من العناية الفائقة. ومعارك الكسب بالنقاط، والحلول العرجاء، والقضايا المؤجلة، ليس من شأنها إلا أن تؤكد حاجة المنطقة إلى الاستقرار.

من هنا نرى ضرورة الاستمرار في التهدئة والتفتيش عن حلول تجنب المنطقة مواجهات دامية، يدفع الجميع فاتورتها المكلفة. والحلول العقلانية هي التي تمنع الانفجارات وتمكن من صيانة السلم الأهلي الداخلي، وتعزيز الأمن المتبادل في المنطقة بين مختلف الشعوب والبلدان، واحترام مبدأ حسن الجوار في علاقاتنا مع محيطنا الاقليمي، على قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية ووأد الفتن الطائفية والمذهبية. ونحن اذ ندعم قيام أفضل العلاقات بين سورية ولبنان، لكننا نؤكدعلى ضرورة قيامها على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين، وعلى المصالح المشتركة للشعبين والدولتين. وكذلك ندعم بناء أفضل العلاقات مع محيطنا الإقليمي (الإيراني والتركي) من موقع السيادة الوطنية والمصالح المتبادلة، وليس لصالح طرف على حساب طرف آخر.

===================

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.