تونس إن حكت . . .

0
806

من المؤكد أن أيام الأسبوع الأخير من العام المنصرم 2010 أيام تاريخية . وأن وقائعها التي تجري في تونس سيكون لها ما بعدها ، كائنة ما كانت نتائج هذه الوقائع . فالتحرك الشعبي العفوي والغاضب الذي انطلق من مدينة ” سيدي بوزيد ” ، وعم المدن التونسية من أقصاها إلى أقصاها ، يتكلم بلسان عربي فصيح ، ويعلن بصوت لا لجاجة فيه فضائح الاستبداد ومآسيه . وسرعان ما تجاوبت فئات الشعب الأخرى مع الشباب الغاضب . فانضم النقابيون والمحامون وجمهور الخريجين العاطلين عن العمل في كل المناطق إلى هذا التحرك لدعمه والمساهمة فيه .

لقد فجرت حادثة فردية ( انتحار أحد الخريجين العاطلين عن العمل بإشعال النار بنفسه احجاجاً على التجاهل والظلم ) الاحتقان الاجتماعي والسياسي والمعيشي المديد ومعاناة التونسيين الطويلة في بحثهم عن الخبز والحرية . فاندفع الشباب الغاضب والمحتج إلى الشوارع على شكل تظاهرات سلمية ، تندد بالنهب والفساد والقمع السلطوي ، وتطالب بالعدل وفرص العمل والحقوق المتساوية ، عبر شعارات اجتماعية بسيطة وشفافة ” العمل لنا استحقاق يا عصابة السرّاق ” .

واجهت سلطة الاستبداد هذا التحرك الشعبي العفوي والسلمي بما هو معروف ومتوقع من طبيعتها ونهجها وآليات عملها التي أنستها ، وباشرت الحل الأمني الذي لا تتقن غيره . فأنزلت عسكرها المدجج بالهراوات إلى الشوارع ، واستنفرت قوى القمع المختلفة السياسية والإعلامية لمواجهة المحرومين والمهمشين بسيل من التهم الجاهزة ، أقلها التآمر على أمن الدولة . وتصف التأييد والدعم الذي يتلقاه هذا الحرك من القوى الاجتماعية الأخرى ، بأنه استغلال لهذه الأحداث من أجل أهداف سياسية مغرضة . وكعادة السلطات أينما كانت ، تعيد التذكير بالاسطوانة المشروخة عن مآرب الحاقدين الخاصة والأصابع الخارجية والقوى الهدامة . ورغم اعتراف رأس السلطة بوجود المشكلة المسببة للأحداث ووجاهتها ، وتفهمه لمشاعر العاطلين عن العمل وأوضاعهم الصعبة ، إلا أنه قرر مواجهة الشعب بقوة و ” بحزم ” . وكال من التهم أضعاف ما فعلت أجهزته القمعية والدعائية . ولم تستطع كلمات التعاطف وبعض الإجراءات نحو أسر الضحايا أن تخفي جبروت السلطان المستبد وطغمته الحاكمة ، وتجاهله لحقوق المواطنين ، في دولة ترفع شعارات الحداثة والمدنية والعلمانية .

لا يتحدث الشارع التونسي اليوم باسم التونسيين وحدهم ، ولا يعلن معاناتهم ويطرح قضاياهم الخاصة كشعب وكمجتمع . إنه يتحدث باسم الشارع العربي المقموع والمكبوت والمضطهد في مختلف البلدان العربية . ويكشف معاناة هذه الشعوب مع أنظمتها القمعية الاستبدادية والمستمرة منذ عقود . كما يطرح قضاياها في الحق والحرية وأهدافها في الوصول إلى الدولة الديمقراطية العادلة .

إن الصخب الوطني والقومي ، والضجيج التنموي والازدهاري الذي طالما قرعت به نظم الانقلابات العسكرية وسلطات الحزب الواحد والقائد الملهم آذان الشعب ، ينكشف اليوم ويتبدد على وقع صرخات الجياع وهتافات العاطلين عن العمل في المدن والأرياف التونسية . والخوف الذي نجحت أجهزة القمع في الدولة الأمنية أن تزرعه بمجتمعها ، وتنتشه في حياة مواطنيها وعلاقاتهم ، يتمزق اليوم من مشهد شباب تونس وقبضاتهم المرفوعة ، التي اخترقت كل الموانع والحجب ، ووصلت إلى العالم كله ، معلنة أن نساء العرب لا تلد الطغاة والمستبدين فقط ، لكنها تلد الأحرار والأبطال أيضاً . وأن بلاد العرب لا تزدحم باللصوص والفاسدين وسارقي قوت الشعب فحسب ، إنما تنجب الشجعان والشرفاء والمطالبين بحقوقهم كذلك .

إن عهود الاستبداد الطويلة التي مرت على الدول العربية ( جميع الدول العربية باستثناء لبنان ) راكمت الأزمات من كل نوع ، حتى غدت الحياة فيها نوعاً من الأزمة الشاملة المتناسلة والمتجددة ، التي تبدو عصية على الحل . فازدحمت أفواج المهاجرين على أبواب السفارات . ورمى الشباب أنفسهم في لجة البحر والمغامرة طلباً لعيش أفضل ، دونه احتمالات السجن أو الضياع أو الموت . وها هم شباب تونس يختطون شكلاً تراجيدياً مؤلماً للغضب والاحتجاج على واقع لم يعد يحتمل . يعلنون ذلك بأعلى الأصوات وبأقسى الأشكال مأساوية وهي الانتحار . حيث صار الموت في بلاد التسلط والنهب واغتصاب الحقوق ليس أصعب الأشياء ولا أبشعها .

وما يجري على أرض تونس اليوم يشكل درساً بليغاً لكل الحاكمين والمحكومبن في بلادنا العربية . يشير بوضوح لا لبس فيه إلى ما يمكن أن تؤول إليه أوضاع البلاد ، عندما يوصد باب الإصلاح والتغيير فيها ، ويتم تجاهل الهدير المكتوم لظلامات الناس ، التي لم تعلن بعد ، لكنها معروفة جيداً ومؤشراتها غير قابلة للتأويل .

تحية لأرواح ضحايا الاستبداد في تونس الخضراء .

تحية لنضال شبابها الذين يزرعون شوارعها بطولة وحرية .

تحية للنقابيين والمحامين ونشطاء السياسة والمجتمع المدني فيها ، الذين يخطّون معالم زمن عربي جديد ، يقول بالفم الملآن للاستبداد . . كفى .

30 / 12 / 2010

                                                                                                    هيئة التحرير

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.