التباطؤ في الخليج يتردد صداه في الشرق الأوسط

0
61

طوال سنوات كانت البلدان الغنية بالنفط في الخليج بمثابة حبل الإنقاذ الاقتصادي لعدد كبير من الدول التي تعاني من ضائقة مالية في الشرق الأوسط، فكانت توفّر وظائف لمواطنيها الذين كانوا يرسلون بدورهم ملايين الدولارات إلى ديارهم؛ والسياح الذين يملأون فنادقها عندما يتردد الغربيون في زيارتها؛ والاستثمارات المباشرة؛ وديبلوماسية دفتر الشيكات التي ساعدت على نشر الاستقرار في منطقة كثيرة التقلبات في معظم الأحيان.

فجأة يبدو حبل الإنقاذ مهترئاً، وعلى نحو خطير بالنسبة إلى بلدان مثل مصر والأردن، إذ تجد الدول الغنية بالطاقة نفسها في قلب أزمة مالية عالمية وتقوّضها أسعار النفط المتراجعة. في مختلف أنحاء الخليج، هبطت أسهم البورصات مما أحدث هلعاً في صفوف المستثمرين. حتى في مدينة دبي المزدهرة جداً في الإمارات العربية المتحدة، انحسرت السوق العقارية التي كانت قوية جداً في السابق نظراً إلى التشدد في منح القروض.

تدخلت الحكومات في مختلف أنحاء المنطقة. فقد ضخت الإمارات العربية المتحدة 32 مليار دولار في نظامها المصرفي وضمنت الودائع المصرفية. وعرضت السعودية مليارات الدولارات لتوفير القروض لمواطنيها. وهذا الأسبوع، تحرّكت الكويت التي سبق أن خفّضت سعر الفائدة الأساسي، لدعم ثاني أكبر مصرف لديها.

غير أن حقبة أسعار النفط الشديدة الارتفاع، وعلى الرغم من أنها أصبحت الآن من الماضي، خلّفت لدى معظم عواصم المنطقة احتياطياً كافياً من السيولة يسمح بالتخفيف من وطأة الضربة، بحسب علماء الاقتصاد والخبراء الماليين في المنطقة. ويقول محللون إقليميون إنه ما دام سعر برميل النفط يتجاوز الخمسة والخمسين دولاراً، فسوف تجني معظم الحكومات مبالغ تفوق تلك التي تخصصها في موازناتها.

قال ماريوس ماراثيفتيس، الرئيس الإقليمي لقسم الأبحاث في مصرف "ستاندرد تشارترد" في دبي: "لا نتجه نحو ركود في الخليج بل نحو تباطؤ".

غير أن التباطؤ في الخليج قد يبدو بمثابة هبوط اضطراري في أماكن مثل مصر والأردن وسوريا حيث ساعدت أموال الخليج على دعم الاقتصاد المتعثّر.

قال أستاذ الاقتصاد والعلوم المالية الدولية في جامعة القاهرة رشاد عبدو: "عندما يكون هناك نمو في الخليج، يحصل نمو في مختلف أنحاء العالم العربي. تزدهر السياحة، ويتدفق مزيد من الأموال في البورصات، وترتفع الاستثمارات. والعكس صحيح. عندما يكون هناك انكماش أو ركود، لا يأتون للسياحة ولا يوظّفون أموالهم في البورصة ولا يستثمرون ولا يتمكّنون من استخدام عمّال مصريين".

حوالى نصف التحويلات البالغة ستة مليارات دولار التي تحصل عليها مصر سنوياً مصدرها أكثر من مليونَي مواطن يعيشون ويعملون في منطقة الخليج، في حين أن نحو ستين في المئة من السياح الذين يزورون مصر يأتون من تلك المنطقة، بحسب تقديرات علماء الاقتصاد المصريين. ومن جهتها، أفادت سوريا من الاستثمارات الخليجية في المشاريع العقارية الكبرى، مما ساعد على التخفيف من مفاعيل العزلة التي فرضتها العقوبات الأميركية. ويحصل الأردن على نحو ملياري دولار سنوياً من التحويلات التي يرسلها العمال الأردنيون في الخليج، ويتلقى مساعدات مالية بقيمة نحو 500 مليون دولار من السعودية وحدها.

قال نبيل سمّان، وهو خبير اقتصادي يدير مركز البحوث والتوثيق في دمشق: "أتوقع أن تتباطأ الاستثمارات من الخليج أو تتوقف لأن عليهم مواجهة مشكلاتهم قبل أن يستثمروا في بلدان أخرى. سوف تتأثر سوريا لناحية السوريين الذين يرسلون أموالاً من الخليج. هناك نحو مليون سوري في منطقة الخليج".

لم تحدث الثروة النفطية الطائلة تحولاً في دول الخليج التي أُنعِم عليها بهذه الثروة وحسب، إنما أيضاً في العالم العربي الأوسع. فقد تراجعت مصر التي كانت العاصمة الثقافية والسياسية لمنطقة تمتد من المغرب إلى العراق، أمام الاقتصادات والسياسات المرتكزة على النفط في أماكن مثل قطر والسعودية.

أحاطت هالة بدول الخليج جعلتها تبدو وكأنها منيعة لا تُقهَر، ولا سيما مع بلوغ أسعار النفط الذروة هذا الصيف مع حوالى 150 دولاراً للبرميل الواحد. وحتى مع انتشار الأزمة المالية من الولايات المتحدة إلى أوروبا وصولاً إلى آسيا، كان هناك شعور في الشرق الأوسط بأن الدول الغنية بالنفط لن تتأثر. لكن سعر النفط بدأ يتراجع، وبسرعة، كاشفاً عن بنية مالية بعيدة عن المناعة في العديد من الدول.

استمدّت دبي المتألقة زخمها من الطفرة الأكبر في مجال البناء في تاريخ الشرق الأوسط. لكنه كان حلماً مبنياً على كمبيالة. ارتفعت الديون بنسبة 49 في المئة من 2007 إلى 2008، وهكذا عندما وقعت الأزمة الائتمانية أصابت دبي بقوة، بحسب الخبراء الماليين هناك.

فكان على دبي أن تتحول إلى حكومة الإمارات العربية المتحدة كي تضخ رساميل في مصارفها. يأمل المتفائلون أن يكون لتهدئة السوق العقارية التضخمية تأثير إيجابي في نهاية المطاف على الإمارة، على الرغم من أنهم أقروا أن ذلك لن يتم من دون صعوبات.

كتب إيكارت وورتز، وهو خبير اقتصادي في مركز الخليج للأبحاث، في تقرير صدر الشهر الجاري "تحولت أزمة الرهون العقارية العالية المخاطر التي بدأت في الولايات المتحدة عام 2007، أزمة دولية شاملة مع تداعيات حادة على الأرجح على بلدان مجلس التعاون الخليجي ونماذج النمو لديها". يشار إلى أن مجلس التعاون الخليجي هو هيئة إقليمية تضم السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان والكويت والبحرين.

يوم الأحد، علّقت الكويت التداول بأسهم بنك الخليج ثاني أكبر مصرف لديها، بعدما كلّف تخلّف زبون عن الوفاء بالتزاماته بموجب عقد خاص بالمشتقات المالية، المصرف مئات ملايين الدولارات. فأثار ذلك مزيداً من الذعر في سوق الأسهم في الكويت، حيث تراجع المؤشر الأساسي 19 في المئة هذه السنة.

قال سليمان المطوع وهو وزير تخطيط سابق في الكويت عن الاستثمارات في البورصة "كل شخص يملك مئة آلاف دولار أي عشرين ألف دينار متورط في هذا. الموازنات العائلية والنفقات العائلية والعطل تتأثر بما يجري، لذلك الناس غاضبون".

غير أن الكويت أبلت جيداً مقارنة بالسعودية حيث خسر مؤشر الأسهم الأساسي نصف قيمته منذ بداية العام.

بينما تصارع دول مجلس التعاون الخليجي مشكلاتها المتنامية، ينتظر جيرانها بقلق التداعيات المحتملة عليهم. وثمة مؤشرات بأن الألم ينتشر.

في القاهرة، يعمل كريم حسين، 27 عاماً، منذ ثلاث سنوات في مكاتب تحصل على تأشيرات عمل للمصريين الذين يبحثون عن عمل في الإمارات العربية المتحدة. قال إنهم كانوا يحصلون في السابق على طلبات تأشيرات تصل إلى سبعين في الشهر، أما الآن فيحصلون على عشرة "هذا إذا حصلنا على طلبات".

وفي عمان في الأردن، تعمل منال صالح، 35 عاماً، في شركة ترسل العمال الماهرين إلى الخليج. تقول إن الفرص هناك تراجعت بمعدل النصف تقريباً منذ بداية العام مضيفة "تراجع الطلب في ضوء الأزمة المالية".

 

 ("إنترناشونال هيرالد تريبيون" ترجمة نسرين ناضر)

"النهار"

اترك تعليق