من تستدعي إذا أردت انقساماً في أوروبا؟

0
774

 تريد العديد من القوى العريقة والقوى الناشئة التي تمثلت في قمة مجموعة الـ 20، أخيراً، في سيؤول أن تبادر الصين لإعادة تقييم لعملتها. فحكومات الولايات المتحدة والهند والبرازيل، الحريصة على ترويج صادراتها الخاصة وحماية الوظائف المحلية، قالت ذلك بصراحة. وأضاف قادة الاتحاد الأوروبي دعوات للتغيير بدورهم، وتريد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الدخول في شراكة مع صانعي السياسة في الاتحاد الأوروبي لتضخيم الضغط.

ليس من المستغرب أن تريد الصين منع حدوث ذلك، وهي لديها استراتيجية لتجنب ذلك. ومن أجل إبراز مشكلة أن أوروبا لم تتحدث بشكل واحد أبداً، فقد تساءل وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر ذات مرة: «بمن أتصل إذا أردت أن أحادث أوروبا؟». وبالنسبة لقادة الصين، فإن السؤال هو: «بمن نتصل إذا كنا نريد إحداث انقسام في أوروبا؟»

ينتقد المسؤولون في بعض العواصم الأوروبية بكين بصورة متزايدة بسبب قيمة عملتها ومجموعة مختلفة من القضايا السياسية والاقتصادية الأخرى. ولكسر حدة هذه الانتقادات وكسب أصدقاء جدد، فقد ذهب رئيس وزراء الصين ووفد من بعض كبرى الشركات الصينية أخيراً للتسوق في مهد الحضارة الغربية، في أثينا وروما.

خلال زيارة في شهر أكتوبر الماضي إلى اليونان التي تعاني ضائقة مالية، تعهد رئيس الوزراء الصيني «وين جيا باو» بأن الصين سوف تشتري المزيد من ديون اليونان. بعدها جاءت الأنباء تقيد بأن بنك التنمية الصيني، المعروف بتمويل صفقات كبيرة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، سوف يمول مشروعاً للطاقة الشمسية في جنوب إيطاليا.

وتحولت الشركات الصينية إلى قطاع شبكات النطاق العريض في إيطاليا، كما تم من توسيع العلاقات بين شركة هواوي الصينية وفودافون إيطاليا، وشراكة بين مؤسسة «زد تي إي» الصينية مع «تيسكالي» في إيطاليا.

وتتطلع شركتا «تايهي» و«شيري» الصينيتان لصناعة السيارات إلى إنشاء مصنع في إيطاليا. وتستثمر شركة الشحن العملاقة القابضة الصينية «كوسكو» في النقل البحري في كل من إيطاليا واليونان.

وهذه الشركات تعاني من الأضرار، والصين تهب للإنقاذ. وفي الواقع، زادت الاستثمارات الصينية في أوروبا أربعة أضعاف (من قاعدة منخفضة جداً) بين مطلع العام 2008 حتى نهاية 2009.

من المفارقات أن التباطؤ الاقتصادي العالمي هو الذي يهيج الانتقاد ضد سياسة الصين بشأن عملتها في بعض العواصم العالمية، ويغذي الطلب على النقد الصيني في بلدان أخرى. في السنوات الأخيرة، انتبه صانعو السياسة في الاتحاد الأوروبي إلى تحذيرات بكين من أن ارتفاع قيمة اليوان سيطرد أعداداً هائلة من عمال المصانع الصينية من وظائفهم، مع حدوث توابع زلزال في البلدان التي تعتمد على الصين في الحصول على منتجات منخفضة التكلفة.

فالفترات الاقتصادية العصيبة في أوروبا والضغوط السياسية المصاحبة للتقشف الحكومي تجعل بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي أقل صبراً إزاء هذه الحجة. ولكن الأزمة في البلدان الأوروبية الأشد تضرراً تولّد الطلب على التمويل والاستثمار الصينيين.

تعتبر هذه الاستراتيجية معقولة بالنسبة للصين. فزيادة موجوداتها من الديون الأوروبية، وشراء حصة أكبر في القطاعات الاقتصادية الهامة يساعد على توسيع نطاق الانقسامات في الرأي حول الصين داخل الاتحاد الأوروبي، ويؤديان إلى فوز بكين بالحلفاء التجاريين الجدد الذين يمكنهم المساعدة في تخفيف الضغط في بروكسل لإجراء تغيير في سياسة العملة وغيرها من المسائل.

كما تأمل الصين في الفوز بوضعية «اقتصاد السوق» في أوروبا، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة على الاتحاد الأوروبي في فرض رسوم إضافية على الصادرات الصينية أو اتهام الشركات الصينية بالإغراق.

تود الصين أيضا قلب الأمور رأساً على عقب فيما يتعلق بانتقاد أوروبي أكثر صراحة بشأن سجل حقوق الإنسان في الصين، والذي تمثل في الآونة الأخيرة في قرار أوسلو بمنح جائزة نوبل للسلام للمنشق الصيني «ليو شياوبو».

يبقى التأثير الاقتصادي للصين مزدوج التأثير بالنسبة لأوروبا. فقد عززت الاستثمارات الصينية قطاعات التكنولوجيا الفائقة والسيارات وصناعات السلع الفاخرة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، في حين تركت الصادرات الصينية تأثيراً سلبياً كبيراً على الشركات المصنعة للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية والمنسوجات وقطع غيار السيارات في جنوب وشرق أوروبا.

لكن تقدير بكين للموقف، على الأرجح بحكمة، هو أنه كلما كانت الصين أكثر تكاملاً داخل الاقتصاد الأوروبي، كلما ضعف احتمال أن يتوحد هدف أوروبا للانضمام إلى واشنطن في أي محاولة لعزل الصين سياسياً.

يعتبر هذا جزء من قصة أكبر. فقد شهدنا هذا الاتجاه نحو الاستثمار الصيني بدوافع سياسية في الدول النامية لسنوات. ولكن الصعوبات الاقتصادية قد أضفت طابعاً ملحاً جديداً إلى كل من المطالب الأوروبية من أجل عمله صينية يعاد تقييمها، وحاجة الحكومات الأوروبية التي تعاني ضائقة للقيام بالمزيد من الأعمال التجارية مع الصين.

ثم إن هناك القصة ذات الأمد الطويل. فالقيادة الصينية أصابها الذعر في أوائل عام 2009 عندما أدى انهيار السوق في أوروبا وأميركا واليابان إلى خفض الطلب على الصادرات الصينية، و أفقدت بشكل مؤقت 23 مليون عامل بالمصانع الصينية وظائفهم.

وأعادت هذه الصدمة التي أصابت النظام في بكين العمل في الخطط التي توقفت خلال الأزمة المالية لكي تحوّل نموذج النمو في البلاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على صادرات باتجاه نموذج واحد قائم بشكل كبير على الاستهلاك المحلي. فلا يمكن أن تعتمد الصين إلى الأبد على الغرب في شراء منتجاتها، وسوف يتعين عليها تنمية طبقة متوسطة صينية يمكن أن تأخذ المسؤولية على عاتقها.

يعد هذا التحول سياسة عامة تعادل اتخاذ نهج الانعطاف يميناً على نحو حاد بحاملة طائرات. فهو مشروع طويل الأمد جداً. ولكن جميع الشركاء التجاريين للصين، سواء من القوى العريقة أو الناشئة، يعرفون أن الوصول إلى ما يتوقع في أن تصبح الطبقة الوسطى الأكبر في التاريخ يمكن أن يكون مفتاح الرخاء للرفاهية الغربية لعدة عقود مقبلة. وسوف تقوم بكين بتحديد القواعد لتلك المنافسة.

بعبارة أخرى، فقد استخدمت بكين على مدى عدة سنوات ماضية قوتها الاقتصادية المتنامية لتحقيق مكاسب سياسية في العالم النامي. وهي الآن تطبق الاستراتيجية نفسها إلى حد كبير في الغرب.

رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية

“البيان”

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.