«البوكمال»

0
42

تكاد أن تكون المرة الأولى التي يتقن فيها السوريون استخدام «سلاح» الإعلام في ردّ أولّي على الغارة الأميركية التي طاولت مزرعة في منطقة البوكمال، على الحدود العراقية – السورية، قضى فيها 7 وسقط عدد من الجرحى وتردد أن اثنين فقدا.

 

واللافت أنها من المرات النادرة التي تتوالى فيها صور فوتوغرافية وحيّة عن حادث أمني يقع في سورية التي اعتاد متتبعو أخبارها سماع الأخبار الأمنية المتعلقة بها، من خارج حدودها أو عبر وكالة أنبائها الرسمية بعد أيام على وقوعها، كالغارة الإسرائيلية على مبنى قيل انه لمفاعل نووي العام الماضي، أو كعمليات الاغتيال التي طاولت قيادات في المقاومة الإسلامية أو ضباطاً سوريين، أو حتى العمليات الأمنية التي تقوم بها الأجهزة السورية ضد متطرفين.

 

تغطية كل هذه الحوادث بقيت في إطار تسريب معلومات غير مكتملة – مع ما تحتمله من لغط وإشاعات – بعضها منسوب إلى مصادر استخباراتية وبعضها إلى قوى معارضة وبعضها يأتي موجزاً ومختصراً في وسائل الإعلام الرسمية. أما في غارة البوكمال فكانت التغطية الإعلامية مختلفة تماماً وشكلت قضية إعلامية بكل ما للكلمة من معنى: شح إعلامي من الجانب الأميركي مع اعتراف متأخر باستهداف «مهربي مقاتلين الى العراق»، قابله دفق معلومات وتصريحات من الجانب السوري وثّقت بصور حية التقطها هواة في لحظة الغارة بواسطة هواتف خليوية، للضحايا والجرحى وبثت في اليوم الأول مع روايات متلفزة لشهود بعضهم في المستشفى. وفي اليوم التالي بثت صور للجنازة الغاضبة التي أقامها أبناء المنطقة لذويهم الضحايا مع هتافاتهم ولافتاتهم وشعاراتها المنددة بالولايات المتحدة. وكذلك كانت المفاجأة «الإعلامية» الكبرى السماح ببث صور للمروحيات الأميركية المغيرة، عبر التلفزيون السوري ثم عبر كل شاشات العالم.

 

كل هذا العمل الإعلامي السوري، الذي أخرج بحنكة، خدم الموقف السوري بقوة اقليمياً وعالمياً، وكانت ثمرته الأولى مواقف دولية مساندة لسورية ومنددة بالعمل «العدائي» الأميركي ضد دولة مستقلة ذات سيادة.

 

ولا شك في أن إعلان هذه الحقائق الموثقة أفضل كثيراً للمعتدى عليه، من أن يُترك هواء الشاشات والإذاعات للتحليلات والقراءات في مغزى الغارة وتوقيتها، وما يمكن أن يساق في هذا الإطار في قراءة العلاقة بين سورية والولايات المتحدة بخاصة عشية مجيء الإدارة الأميركية الجديدة.

"الحياة"

اترك تعليق