فرصة لتفكير جديد حيال الشّرق الأوسط بعد الانتخابات الأميركية

0
60

أياً كان الفائز في الانتخابات الرئاسية الاميركية الاسبوع المقبل، سيكون عليه التفكير فوراً في نوعية الشراكة التي يريدها عالمياً علماً أن كلاً من جون ماكين وباراك اوباما رفض الانعزالية وتحدث عن شراكة من نوع ما تناسب تفكيره. إفرازات الأزمة الاقتصادية العالمية ستفرض على الرئيس الأميركي الجديد العودة الى طاولة رسم الاستراتيجيات. الجمهوريون تحدثوا عن شراكات ثنائية ودولية واقليمية وعن توطيد شراكات تقليدية. والديموقراطيون نطقوا بلغة الشراكة العالمية في ورشة صياغة نظام جديد يشمل ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. ولأن العلاقات مع عديد من الدول في عهد الرئيس الحالي جورج بوش تركت طعماً مراً في حلوق كثيرة، سيتطلب اصلاح موازين الثقة تفكيراً استراتيجياً عميقاً يأخذ في الحساب ما أفرزته حرب العراق وكذلك الأزمة الاقتصادية الأخيرة. فالمحافظون الجدد شنوا حرب العراق لأسباب متعددة، بينها تدمير النظام الاقليمي القديم واسقاط حكومات دول لها علاقات تاريخية وطيدة مع الولايات المتحدة، وذلك تحت ذريعة بث عدوى الديموقراطية من ساحة العراق. استراتيجيتهم ارتكزت على نسف الاستقرار في منطقة الخليج بهدف نشوء نظام اقليمي جديد يزيل العراق من المعادلة الاستراتيجية العربية مع اسرائيل وتبرز فيه ايران قوة اقليمية تتحدى نفوذ قوى عربية تقليدية مثل المملكة العربية السعودية ومصر. عقيدتهم «الاستباقية» اعطبت علاقات مع دول أوروبية مثل المانيا وفرنسا، انما الأهم أنها أدت الى تأهب دول مثل الصين التي بحثت عن مصالحها النفطية أينما كان وعلى حساب أي كان. انما بعدما تساقط المحافظون الجدد وصقور الإدارة الحاكمة في أعقاب اندلاع الغضب من حرب العراق حاول جورج بوش تصحيح مسار العلاقات والسياسات، فوصل الى «وسط» يفيد الرئيس الجديد الآتي الى البيت الأبيض، أياً كان.

بعد أسبوع من انتخاب الرئيس الأميركي الجديد، سيعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك مؤتمر رفيع المستوى يحضره الملوك والرؤساء يحمل عنوان «حوار الأديان» سيكون أيضاً تجمعاً سياسياً نادراً الى جانب كونه مبادرة للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، هدفها جذب مشاركة فعالة من المسلمين لإرساء علاقات جديدة نوعياً بين الأديان.

بعد ذلك بأيام ستستضيف واشنطن قمة اقتصادية بالغة الأهمية لمجموعة الدول الـ20 والتي ستضم قادة الدول الصناعية الثماني و12 دولة قيادية أخرى من ضمنها المملكة العربية السعودية حيث أهم احتياطي نفطي في العالم.

تزامُن الحدثين مع انتخاب الرئيس الأميركي الجديد يوفر فرصة ثمينة يجب توظيفها ليس لمجرد التقاط الصور وانما بهدف الإصغاء جيداً الى ما قد يكون في ذهن الملك عبدالله صاحب «مبادرة السلام العربية» التي تقدم لاسرائيل الاعتراف الكامل والتطبيع مقابل انهائها الاحتلال للأراضي العربية عام 1967 – مع فتح الباب على تعديلات واقعية وعملية لمثل هذا السلام الشامل. فرصة للأخذ والعطاء في اطار مفهوم الملك عبدالله لأهداف وابعاد مبادرته الى «حوار الأديان» لا سيما وأنه خادم الحرمين الشريفين – أهم المعالم الدينية لمسلمي العالم – وأنه سجّل قفزة نوعية في الاحترام للدين اليهودي وليس فقط للديانة المسيحية. فرصة للاطلاع على ما تقوم به السعودية في ملفي باكستان وافغانستان، وكيف تتصور دورها مستقبلاً نحو العراق، وهل لديها تصور حول علاقاتها مستقبلاً مع ايران، وماذا سيحرك علاقاتها مع سورية بالذات في شأن لبنان، وكيف تطور شراكة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية في ظل الأزمة الجورجية مع روسيا كما في ظل الأزمة الاقتصادية وانخفاض اسعار النفط.

كثير من الديموقراطيين الذين استفاقوا الى مآسي حرب العراق قرروا عمداً ألا يكلفوا أنفسهم عبء التدقيق في آثار إفرازات حرب العراق على الساحة، مثل خروج ايران منتصرة ومستفيدة من حرب أطاحت بعدوها صدام حسين ووضعت في السلطة حكماً شيعياً. هذا الى جانب استفادتها بفضل حرب اميركية أخرى من اسقاط حكم عدوها الآخر في افغانستان – حكم «طالبان». كل ما يكلف هؤلاء الديموقراطيون أنفسهم التفكير به هو انتقاد بوش على حرب العراق بدلاً من التدقيق في السياسة والاستراتيجية الضرورية لإيقاف نظام الملالي في طهران عن مغامراته النووية ودعمه لميليشيات ومنظمات هدفها تعطيل حكم الدولة في لبنان عبر «حزب الله» ومنع السلام التفاوضي مع اسرائيل من خلال تمويل «حماس» لضرب السلطة الفلسطينية.

واقع الأمر أن هناك تطوراً فائق الأهمية على صعيد العلاقة الاسرائيلية مع المبادرة العربية للسلام من المفيد لباراك اوباما وجون ماكين أخذه في الحساب عند صياغة الشراكات الثنائية والاقليمية. ففي الفترة الأخيرة برزت تصريحات علنية ورسائل مبطنة ومواقف وتلميحات لعدد من القيادات في اسرائيل، بما فيها الرئيس شمعون بيريز، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني، ووزير الدفاع ايهود باراك، تشير الى الاستعداد للقبول بالمبادرة العربية التي أطلقها الملك عبدالله وتبنتها القمة العربية في بيروت بالإجماع قبل ست سنوات.

هذا تطور مهم لأنه يشكل قاعدة جديدة للانطلاق الى تنفيذ خيار قيام الدولتين، فلسطين الى جانب اسرائيل، مقابل الاعتراف والتطبيع العربي مع اسرائيل، وهذا ما سبق وحمله العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الى واشنطن تكراراً وكذلك الى القيادات العالمية. القادة الاسرائيليون لم يكونوا في جهوزية للسماح لجورج بوش والكونغرس الأميركي باحتضان هذا العرض. انما الآن، هناك مؤشرات للرئيس الأميركي الجديد بمثل هذا الاستعداد، ومن بالغ الضرورة التقاط هذه المؤشرات للبناء عليها، لا سيما أن الشق الآخر من العمل مع القيادة السعودية يتعلق بالنتائج الضرورية لحوار الأديان ومن ضمنها إضعاف قوى الإرهاب وحشد القاعدة الشعبية الاسلامية وراء الحوار والاعتراف والتطبيع والسلام مع اسرائيل. ومن الملفت ان بيريز وليفني يتنافسان على تمثيل اسرائيل في اجتماع الأمم المتحدة العالي المستوى لحوار الأديان، ويتردد أن هناك احتمال إعلان للموقف الاسرائيلي الجديد نحو المبادرة العربية من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة – بحضور ملوك السعودية والأردن والبحرين وأمير الكويت وغيرهم من القيادات الاسلامية – وبحضور الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش.

التجاوب مع مبادرات ومواقف جديدة كهذه يجب أن يؤدي بالرئيس الجديد الى إعادة النظر في شخصية الفريق الذي سيكلفه هذا الملف. ما يتردد عن اعتزام السناتور باراك اوباما إيكال الملف الى دنيس روس، منسق عملية السلام للشرق الأوسط في عهد الرئيس بيل كلينتون، قد لا يكون قراراً حكيماً. فدنيس روس ارتبط اسمه بأطول فترة فشل في السياسة الأميركية نحو الملف العربي – الاسرائيلي امتدت سبع سنوات. انه الرجل الذي وجه اصبع اللوم فقط الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بإعفاء تام لإسرائيل من أي لوم أو محاسبة. دنيس روس مثقل بالماضي، وباراك اوباما يحتاج أن يطبق مبدأ «التغيير» في هذا الملف أكثر من غيره.

التغيير مطلوب ايضاً في اطار التفكير بعلاقات دول منطقة الخليج والشرق الأوسط. كل شيء يتحرك الآن للتهيئة والتمركز مع الرئيس والادارة الجديدة، ولكن، هناك أمور تبقى ثابتة. ايران، مثلاً، الأرجح ان تتأقلم مع المستجدات الجديدة على الساحة. لكن هذا لا يؤثر في السياسات العريضة للاستراتيجيات البعيدة المدى للجمهورية الاسلامية، نحو امتلاك القدرات النووية ونحو الاحتفاظ بأدوات الهيمنة الاقليمية. العراق، مثلاً، بات ساحة نفوذ لن تتخلى طهران عنها، انما ازدياد المعارضة العراقية لهيمنة ايرانية على العراق ووضوح عدم استطاعة طهران السيطرة على عراق موحد يؤدي بالقيادة الايرانية الى العودة الى قاعدة اساسية في استراتيجيتها هي تقسيم العراق.

كذلك عندما يتعلق الأمر بأفغانستان وباكستان، يوجد هامش له وزنه في اطار الدور السعودي المساهم في ضبط الأمور أو لعب دور الوسيط للتوصل الى حلول تفاوضية. أما في ما يخص ملف سورية ولبنان، فالدور السعودي في هذا الملف وقع في معسكر الاعتدال ضد معسكر التطرف مع القانون الدولي والمحاكمة والشفافية وضد الاغتيالات السياسية. كل كلام آخر ليس سوى من صنع المخيلات. ولذلك على الرئيس الجديد، لا سيما إذا كان باراك اوباما، أن يطالب مستشاريه بأن يقدموا إليه موقفاً واضحاً من معادلة بالغة البساطة: ماذا تريد الولايات المتحدة في لبنان، بمعزل عن عزل سورية واسرائيل في شأن الجولان؟ وهل رئاسة اوباما مستعدة لغض النظر عن اغتيالات سياسية لمجرد ابرام صفقة باسم الحوار والواقعية السياسية؟ فعهود اوباما يفترض ألا تكون» بزنس» كالعادة، وانما أن تكون مرتكزة على قيم ومبادئ سياسية وأخلاقية وقانونية، فهذا ما يقال انه يميزه عن غيره لو جاء رئيساً للولايات المتحدة.

ولأن باراك اوباما يتحدث بلغة تفوق المبادئ الأخلاقية والقانونية على أي اعتبار آخر، من الطبيعي ان لا يكون في ذهنه أن يبصم على ما آلت اليه الأمور في ملفي لبنان وسورية وأن يحرص على دعم المحكمة الدولية لمحاكمة المتورطين في الاغتيالات وعلى رفض الصفقات السياسية. باراك اوباما، عكس الانطباع السائد، ليس مختلفاً جذرياً عن جون ماكين عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن المصلحة الأميركية في اي بقعة من العالم. كلاهما يريد أميركا متفوقة عسكرياً وكلاهما يوافق على عدم إزالة الخيار العسكري عن الطاولة في أي ملفات. الفارق أن اوباما يريد أن يبدأ من الصفر ليحاور ويفاوض ويمارس الديبلوماسية فيما ماكين يريد عدم السقوط في دوامة شراء الوقت لأنها في اعتقاده جزء من استراتيجية دول مثل ايران وسورية. انما عند التدقيق في ملف السودان ودارفور، يبدو اوباما جاهزاً لفرض «منطقة حظر طيران» – مما يعني الاستعداد لتدمير الطيران العسكري للسودان باسم المسؤولية الأخلاقية نحو دارفور – وهذا يدخل اوباما في خانة التفكير كالصقور إذا برزت الحاجة.

الآن، وفي هذا المنعطف توجد فرص لصياغة علاقات وشراكات واستراتيجيات جديدة مهم لها أن تنطلق من جديد. ولأن «حوار الأديان» يتزامن صدفة مع القمة الاقتصادية ومع فوز أحد المرشحين بالرئاسة، يبدو بديهياً أن تكون العلاقة مع السعودية في طليعة التفكير الجديد. فأوروبا في حاجة الى السعودية وهي تفكر في إعادة صياغة علاقاتها مع روسيا بسبب التوتر الناتج عن أزمة جورجيا وعضوية اوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، وأوروبا قد تحتاج الى تحسين علاقاتها مع السعودية مع توقع تدهور هذه العلاقات مع ايران، لا سيما أنه في زمن الركود هناك حاجة الى الطاقة في الاستثمارات، وهنا تبرز أهمية اسعار النفط.

"الحياة

اترك تعليق