لنفترض أن النظام الرأسمالي انهار: ماذا بعد؟

0
61

أشارت صحيفة «الغارديان» البريطانية مؤخراً إلى ارتفاع الطلب على مؤلفات كارل ماركس، رابطةً هذا الارتفاع بالأزمة المالية العالمية التي ما زالت تتوالى فصولا في مختلف أرجاء العالم. وفي تصريح للجريدة، قال الناشر الألماني لمؤلفات مؤسس العقيدة الشيوعية، إن هذا الطلب ارتفع، في الآونة الأخيرة، بنسبة 300 في المئة، وإنه يأتي خاصةً من الأكاديميين الشباب في العلوم الاقتصادية. وقال الناشر البرليني جون شوترامف إن الطلب يتركز أكثر على كتاب رأس المال.

يمكن القول إن الغرب اليوم يراجع العقيدة النيوليبرالية التي جعلت أسواق المال في موقع المهيمن على الاقتصاد العالمي، أو بالتعبير الشائع، الاقتصاد الافتراضي على الاقتصاد الحقيقي المنتج. ولاحظنا القوى الدولية الفاعلة تسارع إلى إجراءات طوارئ لإنقاذ الموقف، يمكن تلخيصها بعودة الدور القوي للدولة الرأسمالية في الاقتصاد، وأسواق المال بخاصة. فالسوق، بمعناها الليبرالي الجديد، المتحررة من «تدخل أي عامل غير اقتصادي في المستوى الاقتصادي»، وفقاً لتعريف ماركس الذي لخص به جوهر الانتقال مما قبل النظام الرأسمالي إلى هذا الأخير، أثبتت، في تجربة العقدين الأخيرين، أنها تسلك بصورة لاعقلانية تماماً، بما يهدد بنية الاقتصاد بفوضى شاملة تتجاوزها إلى البنية الاجتماعية ككل.

تعود الدولة الآن إذن إلى لعب دور «العقل» الذي يضبط فوضى السوق، وهذا هو، على أي حال، الدور المفترض للدولة بالمعنى الحديث. وبهذا المعنى يمكن الافتراض أن العودة إلى ماركس اليوم، ورأس المال بخاصة، تعني العودة إلى عقلنة السوق الرأسمالية، أكثر من كونها عودة إلى مساءلة أسس النظام. فماركس الذي كان أفضل من فهم رأسمالية زمانه، وكانت في طور فتي، يمكن أن يشكل دليلاً علاجياً لأزماته، وبخاصة أن العقيدة الليبرالية عصر ذاك، قـامت أيضاً على إلغاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية التي تتكفل اليد الخفية الشهيرة ضبط توازنها وإصلاح أي خلل يعتريها، الأمر الذي لم يتحقق بصورة تامة في أي مكان وزمان.

ثمة من يربطون الأزمة المالية الراهنة بالسياسات المغامرة لإدارة بوش، أو بصعود الدور الروسي في السياسة العالمية، وما إلى ذلك من أسباب سياسية، في علاقة سببية لا يمكن التأكد منها في المدى القريب. يمكن توقع هذا النوع من التحليلات من القوى المتضررة من السياسات الأميركية في عهد جورج بوش الابن، أنظمة حكم وتيارات سياسية شاع إطلاق صفة الممانعة عليها، صرفت جل جهدها في العمل السلبي: درء مخاطر ما أسمته «المشاريع الإمبريالية في المنطقة»، من غير العمل على تطوير أي بدائل إيجابية. وضعنا المشاريع تلك بين مزدوجين، لا بغرض الإشارة إلى وهميتها، بل إلى غموضها في أذهان المروجين لها والمتلقين، وعموميتها المائعة التي تدفعها قريباً من كائن شبحي بلا قوام، جوهر شرير وحسب.

وبخلاف النقد الممانع المعلن لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يركز على زيف وعوده بالديموقراطية والازدهار الاقتصادي والسلام، فإن معارضة قوى الممانعة له تقوم أساساً على الخوف من الاحتمالات المذكورة، كخوف الملحد من يوم الحساب (كما قد يتساءل الملحد: لكنْ ماذا لو كان الله موجوداً). أي أن هذه القوى «مانعت» أساساً التحول الديموقراطي والسلام، مقابل سعيها إلى التحول الليبرالي على الطريقة الصينية.

منذ حرب الصيف 2006، بدأ تبشير الخطاب الممانع بأفول نجم الامبراطورية الأميركية وسقوط مشاريعها في المنطقة، وبلغ الأمر بأمين عام «النصر الإلهي» حد القول ببداية النهاية بالنسبة لدولة إسرائيل، وهو قول لا يكلف صاحبه شيئاً ما دام الزمان عندنا غير الزمان، دائرياً مديداً، تلتهم «القضايا» فيه أعمار الأجيال، نهاياته «معلومة» للعالمين بالغيب على بعدها، وبداياته يطويها النسيان… بيد أن التأديبة الروسية لجورجيا أثلجت صدور الممانعين، ربما أكثر مما أثلج خبر التخصيب الإيراني لليورانيوم صدر الرئيس السوري، على قوله في إحدى مقابلاته الصحافية، في حين قوبلت الأزمة المالية بالشماتة، من غير أدنى تفكير في مَن سيتلقى الأذى الأكبر من مفاعيلها، كغياب التفكير بما هي الفوائد التي قد يجنيها أي كان من انهيار الرأسمالية أو القوة العظمى الوحيدة. فبغياب بدائل ناهضة تملك القدرة على ملء الفراغ، يكون النظام الرأسمالي هو النظام، أي العقل مقابل الفوضى والبربرية. أضف أن المؤشرات ذات المعنى تفيد جميعاً بأن الدول المتقدمة اليوم، أي الغرب الرأسمالي، سوف تبقى متقدمة ومتفوقة علينا بصرف النظر عن نتائج الأزمة الراهنة، فهي متقدمة في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعلومات والتنظيم الاجتماعي وأنظمة التعليم والتدريب، بما يمنحها القدرة على تجاوز الأزمات، وتملك من الموارد الاقتصادية ما يتيح لها تحملاً للخسائر أكثر بالقياس إلى باقي العالم.

لنفترض أن «نظامنا المالي بصحة جيدة ولم يتأثر بالأزمة المالية العالمية» على ما تؤكد حكوماتنا، فهل أوضاعنا الاقتصادية بخير؟ وهل قدرتنا على مواجهة الأزمات المحتملة تمنحنا أفضلية ما تسمح لنا بالشماتة بغيرنا؟ المثال التالي قد يشكل جواباً على السؤالين: عملية اللبرلة عندنا (في سورية) على الطريقة الصينية، تم إطلاقها بقرارات ارتجالية من نوع رفع الدعم عن المشتقات النفطية، من غير أن يحسب أصحاب القرار أثر ذلك على الإنتاج الزراعي الذي أصابه ما يشبه الدمار، أو على مستوى الأسعار بصورة عامة بما يزيد من عمق الهوة بينها ومستوى الدخل لدى ملايين السوريين القابعين تحت خط الفقر، وما قد ينتج عن ذلك من آثار اجتماعية خطيرة قد لا تكفي الوسائل القمعية لمواجهتها، وهي وحدها المعوّل عليها لدى أصحاب القرار.

ينبع موقف الشماتة من عدمية وعجز، فالعدمي لا يبتغي هدفاً لأنه عاجز عن تحقيق أي شيء. ولأنه كذلك لا يفرح بإنجاز ذاتي، بل بفشل الآخرين، أي برؤية الآخرين يصبحون مثله.

من تراه يتمنى أن تصبح الولايات المتحدة مثلنا؟

 

  • كاتب سوري

"الحياة

اترك تعليق