عودة الرأسمال الى الدولة

0
84

تستقر موجة الزعر التي تجتاح المجتمعات الرأسمالية هذه الأيام، في أعقاب الأزمة المالية التي تعصف بها وبالعالم المرتبط بها على السواء، على سياسة تجهر بحاجة أي معالجة لما يجري الى التسليم بالدور التدخلي المركزي للدولة فيها. تقول كل دولة من العالم الرأسمالي ذلك على طريقتها. أميركا بوش متمنعة ضد أية مقاربة للأزمة على صعيد دولي يتجاوز نطاق سيادة قرارها. تريد من العالم أن يجاريها في ما تفعله: أن تُملي هي وحدها وأن ينفذ هو ما تمليه عليه، مطمئنة إياه الى سلامة السياسات العلاجية التي تقررها. أما الأوروبيون، وبعد أن شخصوا الأزمة في نطاقهم الاتحادي واتخذوا حيالها ما اتخذوه من إجراءات إسعافية أولية، فقد تبينوا أن السيطرة عليها تفيض عن نطاق قدرتهم وحدهم. ولما أعيتهم الحيلة لإقناع صناع الأزمة في أميركا بالتداعي لإجراء مقاربة علاجية علامية، يمموا وجوههم شطر الشرق الآسيوي كي يجمعوا الى إرادتهم إرادة الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها عسى ذلك يفتح أفقاً في هذا النفق الحالك الذي حشرتهم سياسات أميركا فيه.

الأزمة تعني العالم كله لا مراكزه الرأسمالية فحسب. فعلاقات الاقتصاد والمال اليوم في أشد حالات الترابط والتداخل بحيث لا مجال لينأى الواحد من المجتمعات عما يصيب غيره في ضرّائه. لكن قدراتها على احتواء الأزمات متفاوتة. لكن التفاوت مضاعَف في حالة الرأسماليات التابعة في بلدان الجنوب ونحن منها. يكفي أن تعطس وول ستريت حتى تصاب بورصات هذه البلدان بالحمى وبما هو أعظم! وقد يكون الأسوأ في الأمر أن يُدعى قسم من دول الجنوب – في جملته دول عربية غنية – الى أن يقدم ضريبته في إنقاذ النظام المصرفي المترنح في الولايات المتحدة الأميركية. وهو يفعل ذلك مضطراً بمعنيين: لأنه لا يملك رد إملاء من دولة كبرى ما تعوَّد رد طلبها، ولأنه يخشى من أن يقود تفاقم الأزمة في أميركا الى انهيار شامل يأتي عليه. وقد تتعزز مخاوفه أكثر حين يعاين درجة التدهور المروع لأسعار النفط الى نصف قيمتها في أسابيع معدودات، فيحتسب ذلك علامة فصيحة على اطراد العلاقة بين ما يصيب أميركا وما سيصيب شركاءها بالتبعة.

غير أن هذا الترابط الموضوعي على صعيد العلاقات الرأسمالية الدولية وأزماتها الدورية، في المراكز والأطراف وفي ما بينها، لا يُترجم نفسه شراكة متوازنة – ولا حتى مختلة – في القرار السياسي الدولي المتصل بإدارة المنافع أو بعلاج ما يعتور النظام الاقتصادي العالمي من مشكلات. وأظهر آية لذلك ما يجري اليوم من تفرّد بمعالجة أزمة يكتوي الجميع بحرائقها. ومع أن نيران الأزمة اندلعت في الداخل الأميركي حيث النظام المصرفي هناك مهدها، إلا أن حرائقها امتدت على مدى العالم في الأعمّ الأغلب منه، ومن لم يُصب بشواظها مباشرة، لفحه لهيبها الحارق ومع ذلك، لا تني الإدارة الأميركية تُمعن في تجاهل الدعوات المتكررة لمقاربة عالمية موحدة للأزمة، فكأنما ترى في الدعوى محاولة لزعزعة أوحدية قرارها الاقتصادي في العالم، أو طريقة اخرى لإجبارها على مناقشة مسلماتها السياسية – الاقتصادية التي طبقتها وأمسكت بها مصير العالم منذ عقدين من الزمان على الأقل.

السؤال الأكبر هنا عربيّ أو قُل على صلة بدول العرب: ما الذي عساها تفعله هذه الدول حتى تحمي البقية الباقية من مصالحها. كيف تعيد الاستقرار النسبي الى أسواقها الحالية؟ كي تحمي ودائعها في البنوك الدولية؟ كيف تعيد مصارفها الثقة الى المساهمين وأصحاب الودائع؟ كيف تواجه صدمة انهيار أسعار الطاقة؟ الأهم من ذلك: كيف تتعامل مع خيارات عدة تتداولها القوى الإقليمية في العالم حول إصلاح النظام الاقتصادي والمالي العالمي: مثلاً، أي موقف سيكون لها جبال دعوة أوروبية – آسيوية متزايدة الى إقامة نظام مالي عالمي جديد؟ هل ستنضم الى الدعوة، وبأية رؤية، أم ستراهن على المراهم السحرية الأميركية لعلاج الحريق المالي؟

الوجه الثاني للمسألة شديد الصلة بدور الدولة الاقتصادي. استقر يقين لدى المراكز الرأسمالية الكبرى، بعد لأي، بأن لا سبيل الى مواجهة موجة الأزمات التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي إلا بسياسة اقتصادية يكون للدولة فيها سهم ونصيب يفوق بكثير ما حسبته الحقبة الليبرالية الجديدة. تبخّر وهم خال أن الاقتصاد الرأسمالي يكون أكثر عافية وتعظُم فتوحاته كلما كان حراً، أي متحرراً من قيود الدولة. تبيَّن أن الحرية هذه تأخذ الرأسمالية والأسواق الى الفوضى والاضطراب ومنهما الى الإفلاس على نحو ما يجري اليوم للقطاع المصرفي. تعود الرأسمالية عن عقيدة مغامرة، انتحارية، الى أخرى سابقة أكثر عقلانية وأدعى الى الطمأنينة (جربتها بين الحربين)، أو هكذا على الأقل يبدو الأمر في أوروبا وآسيا حيث الشعور بالمغامرة الليبرالية الأميركية عال وحاد، وحيث تصريحات جورج بوش ولوكه يقينياته عن «الاقتصاد الحر» تزيد العالم شعوراً بأن قوى المغامرة والفوضى في الرأسمالية ما زالت تركب أوهامها حتى «بعد خراب البصرة»!

عودة النظام الرأسمالي الى رشده تكون بالدولة: بمساعدتها، بتدخلها، بمراقبة الاقتصاد والمال وإخضاع حركتهما لتشريعات تلحظ الحقوق العامة التي تدوسها قوى الليبرالية الوحشية. هل تدرك «الرأسماليات» العربية ونخبها الحاكمة هذه الحقيقة الجديدة؟ هل تتعظ بالدرس العالمي وتُصغي قليلاً لما بات يقال جهرة في الغرب عن حيوية دور الدولة في الاقتصاد؟ هل في وسعها أن تفهم أن الخوصصة واقتصاد السوق وإقالة الدولة من وظائفها الاقتصادية والاجتماعية لن تجرّ على البلاد العربية غير الخراب كما جرّت الخراب على العمران الرأسمالي العالمي؟

لا بأس هنا من ملاحظة يدعو إليها السياق. يتزايد الحديث في أوروبا وأميركا عن دور الدولة الاقتصادي الذي لم يعد يقبل الانكار. يشير الخبراء والمستشارون الاقتصاديون على صنّاع القرار بمراجعة الخيارات وإعادة تفعيل دور الدولة وإعادة النظر في حاكمية قوانين السوق ويتزايد تفاعل السياسيين مع هذه التوصيات. لكن هؤلاء ما برحوا يشيرون على دولنا بانتهاج طريق «الاقتصاد الحر» و «تحرير» التجارة والمال والاستثمار من قيود الدولة وتخفيف تدخل هذه الأخيرة في الميدان الاجتماعي! نفاق؟ ازدواجية في المعايير؟ ربما. المهم أن لا يأبه المرء كثيراً لما يُقال على سبيل التوصية النظرية في حضرة واقع فاقع يُفصح عن كل شيء، فالقول ما قال الواقع لا ما لهجت به الألسنة.

 

* كاتب مغربي.

"الحياة"

اترك تعليق