قمّة العشرين والتسليم بالأقدار

0
818

يستحقّ مؤتمر قمّة العشرين الاقتصادية G20 القادم في سيئول (كوريا الجنوبيّة) اهتماماً استثنائيّاً. إذ ستتسلّم فرنسا خلاله قيادة الأمور من كوريا الجنوبيّة، وستترأس في الوقت نفسه مجموعة الثمانية G8.

 

وقد أعلن السيّد جان ـ دافيد ليفيت مستشار الرئيس الفرنسيّ في «ندوة السياسات الدوليّة في مرّاكش» أنّ رئيسه لن يكتفي بتخصيص جهود قمّة العشرين سنة 2011 لاحتواء الأزمة، بل سيطلق أيضاً ثلاث ورشات طموحة.

 

الورشة الأولى ستهتمّ بإصلاح النظام النقديّ الدولي. وهذا قد يعني ضمنيّاً إصلاح هيكليّة «صندوق النقد الدولي» والعودة عن الدولار كعملة مرجعيّة عالميّة، أي إعادة النظر في اتفاقيات «بريتون وودز» التي عقدت بعيد الحرب العالميّة الثانيّة.

 

ولكن لم يذكر المستشار الفرنسيّ خلال عرضه ما كان رئيسه قد اقترحه إبّان الأزمة عن ضرورة فرض قيود ورسوم على حركة الرساميل، إلاّ أنّه أشار بالتحديد إلى أنّ نصف القرن الأخير قد شهد أربعين صدمةً نتجت عن هروب الرساميل المضاربة من بلدانٍ مختلفة، في حين أشار مسؤولون في دولٍ صاعدة إلى مخاوفهم من تدفّق الأموال المضاربة إلى بلادهم لما هو أكثر من حاجات الاقتصاد.

 

كذلك تجنّب المستشار ليفيت ذكر مسألة «حرب أسعار الصرف» التي تشغل مراكز القرار العالميّ، وكذلك الإعلام، خاصةً بعد التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الصينيّ أنّ بلاده لن ترفع قيمة عملتها؟ وأنّ هدفها سيبقى خفض البطالة وتحسين مستوى معيشة مواطنيه.

 

الورشة الثانية ستخصّص لمعالجة مسألة تذبذب أسعار المواد الأوليّة، خاصّةً الزراعيّة منها؛ ممّا يهدّد بأزمات في بعض البلدان النامية بفقدان إمكانية الحاجات الأساسيّة لمواطنيها. إن فرنسا تقترح إنشاء آليات تأمين تمكّن هذه الدول من شراء حاجيّاتها.

 

ولكن المستشار لم يتطرّق تحديداً إلى «السياسات المشتركة الأوروبية» في مجال الزراعة؟ وإلى سياسات الدعم الأميركيّة التي كانت قد أدّت إلى نتائج كارثيّة في زراعات الدول النامية. ما اقترحه هو أن تترأس روسيا، التي تعاني اليوم من احتراق كميات كبيرة من محاصيلها إدارة التفكير بالإجراءات المطلوبة حول هذا المحور.

 

أمّا الورشة الثالثة فإنّها تبدو حتّى أكثر طموحاً، إذ تنطلق من أنّ منظّمة الأمم المتّحدة عاجزة عن معالجة القضايا الدوليّة اليوم، اقتصاديّةً كانت أم سياسيّة، ويجب إذاً إصلاحها؟ بما في ذلك مجلس الأمن.

 

هكذا يترسّخ دور مجموعة العشرين كمجلس إدارة لنوع من «الحكومة العالميّة»، يتمّ ضمنها الاتفاق على الحدّ الأدنى من التنسيق في عالمٍ بات متداخل المصالح.

 

ثمّ توزّع المهمّات على المؤسسات الأخرى ومن بينها مؤسّسات الأمم المتحدة للتحضير والتنفيذ، مع دورٍ أساسيّ ضمنيّ لمنظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD. أمّا التنسيق السياسي فسيبقى بين يدي مجموعة الثمانية G8، والدلالة على ذلك هو اقتراع الصين وروسيا لصالح العقوبات على إيران.

 

قد تبدو هذه الورش الثلاث كمثال جديد لسياسات الهروب إلى الأمام للرئيس الفرنسيّ الحاليّ، بمعنى تقديم الصخب الإعلامي على المضمون الحقيقيّ (كما في مشروع الاتحاد من أجل المتوسّط).

 

وكأنّ الأزمة المالية العالميّة قد انتهت، وكأنّ تحويل أزمة النظام المالي والمصرفي العالمي إلى أزمةً في الديون السياديّة للدول سيحلّ المشكلة وسيمرّ على شعوب الدول المتقدّمة والنامية التي ستدفع الكلفة مرور الكرام.

 

وكأنّ التذمّر والإضرابات لا تطال فقط أوروبا، بل الصين أيضاً، في حين يتحوّل الرأي العام الأميركي نحو اليمين المتطرّف في «مهرجانات الشاي Tea Parties»، وفي حين تتفجّر أزمات البلدان النامية لا بشكلٍ اجتماعيّ مدنيّ؟

 

بل بنزاعات عرقيّة وطائفيّة. إلاّ أنّ الورش الثلاث المقترحة تشير إلى أوجه المخاوف من انفلات النظام الاقتصادي والمالي العالميّ من عقاله في المستقبل المرقوب.

 

من ناحيته؟ أشار حاكم المصرف المركزي الأوروبي، جان ـ كلود تريشيه إلى أنّه يجب أن نبقى «متواضعين» إذ إنّنا لا نمسك الآليات التي تتطوّر وتتعقّد كلّ يوم والتي تؤدّي إلى انفجار الأزمات.

 

وبدا مرتاحاً إلى أنّ مقرّرات مجموعة العشرين قد أدّت إلى اتفاقية «بازل 3» التي أمهلت الدول عشر سنين لتطبيقها، مع تنويهه إلى أنّ اتفاقيات «بازل 2» التي سبقتها والتي لم تكن قد طبّقت بالكامل لم تكن لتحول دون أزمة انهيار النظام المالي العالمي بعد إفلاس مصرف ليمان براذرز.

 

السؤال المهمّ هنا هو من يمثّل الدول النامية، والدول العربية بشكلً خاص، في مجلس إدارة الحوكمة الدولية الذي أضحت مجموعة العشرين تمثّله؟

 

إنّ مصر والجزائر والسنغال ونيجيريا كانت متواجدة في اجتماعات الG8+5، في حين أغلق نادي الG20 ـ لأسبابٍ عمليّة ـ على مجموعةٍ تضمّ دولاً صاعدة فقط، دون الدول النامية إلاّ العربيّة السعودية، وهي أقلّ ما يقال: حالة خاصّة.

 

هكذا لا يمكن لنا أن نستغرب سؤالاً طرحه مدير مركز الدراسات الاقتصادية المغربيّ ـ بما أنّ ندوة النقاش المشار لها كانت قد عقدت هناك ـ على الأوروبيين: «لقد ربطنا اقتصاداتنا بكم، وتحويلات مغتربينا الذين يعانون من عنصريّة متزايدة تأتي من عندكم وتتضاءل، وهي موردنا الأساسيّ.

 

فماذا ستفعلون من أجلنا؟».في الحقيقة، ماذا سيفعل هو؟ وكيف ستواجه بلده والبلاد العربيّة والنامية الأخرى هذه التطوّرات؟ سوى التسليم بالأقدار.

 

رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

aita@mafhoum.com

“البيان”

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.