النقاب.. بين الحرية الشخصية ومقتضيات الحداثة

0
283

-1-

دأب النظام السوري منذ نشأته على التعامل مع قضايا المجتمع والدولة بطريقة أمنية. حتى تلك التي ترتدي أهمية خاصة، أو تحمل حساسيات استثنائية يكون لها ما بعدها، أو تستجر ردود أفعال ونتائج سلبية على الحياة العامة في البلاد. وقد أنست السلطة لأجهزتها، وأناطت بها إدارة العمل العام بطريقة قمعية أوامرية، تقوم على القسر والفرض والإكراه. لأنها تستنسب ذلك تحقيقاً لمصالحها، دون أن تلقي بالاً لإرادة المجتمع ومصالحه وللحياة الدستورية والقوانين الناظمة في الدولة والمؤسسات. او تقدِّر العواقب الوخيمة التي تترتب على إجراءات متسرعة وغير مدروسة من هذا النوع، يمكن أن تشكل بوابة لفتنة في المستقبل. وهي لا تتردد في اعتماد القضايا والحلول ونقائضها في الوقت نفسه – عندما تضطر لذلك – خارج أي منهجية علمية وسياسية أو استراتيجية وطنية، وبشكل يتسم بالانتهازية وابتغاء المصلحة السلطوية الضيقة، بهدف شراء الصمت والرضا – ولو مؤقتاً – وفرض معالجات آنية وعشوائية لتأمين الاستمرار، بما يمكن أن يسمى ” المياومة السياسية “.

وكإثمار طبيعي لهذا النهج، تمعن السلطة في تجاهل حقيقة التنوع الفكري والسياسي والثقافي، وتعدد الانتماء الإثني والديني والمذهبي في المجتمع السوري. وتصر على تعميم توجهات مراكز النفوذ فيها والمخططات الخاصة لأجنحتها في كل من الدولة والمجتمع والمؤسسات المكونة لهما، وبالتالي فرض الواحدية بقوة القهر. ومن مفرزاته أيضاً عدم احترام المرجعيات الوطنية الأخرى والتقليل من أهميتها ودورها في حياة البلاد، ومحاولة جرها بوسائل مختلفة إلى موكب النظام لتوفير المباركة والتأييد والتصفيق، بغض النظر عن حقيقة آرائها ومواقفها من الشؤون والقضايا المطروحة. وليس مشروع ” قانون الأحوال الشخصية ” الإشكالي الذي سحب من التداول، وموضوع المنقبات الذي يستمر في التفاعل، إلا بعض الشواهد الساطعة في هذا المجال.

-2-

تمثل قضية ” النقاب ” التي أثيرت مؤخراً في سورية إحدى محطات نهج الهيمنة والإقصاء والقهر، الذي اعتمده نظام الاستبداد في مواجهة المجتمع وداخل مؤسسات التعليم على وجه الخصوص. فقد تم نقل أكثر من 1200 معلمة من الصفوف المدرسية إلى أعمال إدارية في وزارات الدولة المختلفة وإداراتها العامة. مما أثار نقاشاً ساخناً وحوارات متوترة في الأوساط المهتمة والمعنية، اتسمت بالانفعالية والسجال وردود الفعل. وبرز الموضوع كقضية خلافية بين المثقفين وداخل الفئات الاجتماعية والتيارات الفكرية والتنظيمات السياسية والمنظمات الإنسانية والحقوقية. وترواحت المواقف بين التأييد الحماسي لإجراءات السلطة والمعارضة الشديدة لها. مما أورث استقطاباً حاداً، شحبت من خلاله الآراء التحليلية والمواقف المتزنة، وتراجعت إلى الخلف. تلك التي ترصد الواقع، وتعاين الأوضاع العامة في البلاد، وتؤشر إلى مستقبل سورية الوطن والشعب، الضامن لأمتن وحدة وطنية في نظام ديمقراطي ودولة حديثة. فالقضية سياسية بامتياز.

ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها انتهاك قطاع التعليم بالقسر واضطهاد قسم كبير من العاملين فيه، بحرمانهم من حقهم في ممارسة مهنة اختاروها وأحبوها وأعطوا فيها. فقد باشر النظام منذ منتصف السبعينات بإبعاد الآلاف من أعضاء هيئات التدريس في المدارس والجامعات الرسمية إلى وظائف أخرى. وأعلنت تلك الحملة تحت شعار ” تبعيث التعليم “، في إطار عملية تمييز سياسي سافر بين المواطنين. أدت إلى حرمان هذا القطاع من عدد كبير من خيرة القائمين عليه، بحجة انتماءاتهم السياسية المعارضة ( شيوعية وناصرية وإسلامية ). وبالتالي فإن وصول التعليم إلى ما وصل إليه اليوم ( والذي يشكو منه النظام والشعب، كل لأسبابه واعتباراته )، هو إحدى نتائج فكر السلطة وسياساتها المطبقة وأساليب عملها المعتمدة منذ ما يقرب من النصف قرن. ولا تستطيع السلطة مهما فعلت أن تتبرأ من مسؤولياتها عما جرى ويجري في المدارس والمؤسسات التعليمية والتربوية، وعن الوضع المحزن الذي وصل إليه قطاع التعليم، وقد كان من مفاخر البلد وأحد منجزاته الوطنية والقومية.

وكتنويع إضافي على نفس الوتر، يجري الحديث عن توجيهات شفهية، ستجد طريقها للظهور بقرارات معلنة، لمنع الطالبات المنقبات من دخول الحرم الجامعي للجامعات السورية في العام الدراسي المقبل.

بداية، نعلن شجبنا لقرارات السلطة المتسمة بالعنف والتسرع وانعدام الحكمة، مثلما شجبنا القرارات المثيلة السابقة. كما نعلن معارضتنا للتعاطى مع القضايا الاجتماعية والسياسية الحساسة بخفة وقصور رؤية، دون النظر إلى النتائج المترتبة وتفاعلات هذه القرارات المستقبلية. فقضية ارتداء النقاب تدخل في دائرة الحريات الشخصية للمواطنين، وحقهم بممارستها في الأصل على سبيل الإطلاق. ومن واجبات الدولة ومسؤولياتها احترام هذه الحرية وضمان ممارستها بانتظام وفق القانون. وليس من حق أي جهة كائنة من كانت أن تتدخل في حياة الناس وعاداتهم وثقافتهم. وأن تحدد لهم ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون، وكيف يتصرفون في محيطهم الاجتماعي. ويبدو النهج الشمولي الذي يستمر النظام على أساسه في عالم اليوم بقية من بقايا نظام بائد، حكم عليه التاريخ، وأقام محله نظام الحريات، نظام الحداثة والديمقراطية. فما الفائدة من تقليل عدد المنقبات في التعليم وتعظيم عددهن في دوائر الدولة الأخرى وفي المجتمع، كرد فعل على إجراءات خاطئة، تؤدي إلى مزيد من التمسك بالعادات البالية والمواقف الشخصية المتشددة؟!

إن معالجة القضايا العامة الخلافية والإشكالية، التي تبرز في مجتمع كمجتمعنا مشدود إلى الماضي، ومثقل بالموروث الديني والتقاليد الاجتماعية، حيث تختلط العقائد بالعادات، وتزدهر روح التعصب والانغلاق والتخلف، وتتطاول لتؤثر سلباً على المصلحة العمومية في مؤسسات الدولة وتوجهاتها في الحياة المعاصرة، لا تكون بالبتر والزجر والإبعاد. إنما تستدعي حواراً هادئاً ومعمقاً داخل المجتمع وبناه التقليدية والحديثة. يشارك فيه رجال الدين والفكر والثقافة والسياسة والقانون، والفعاليات الاجتماعية من شخصيات وطنية ومؤسسات مدنية. فهذه ظاهرة تستوجب التأمل الجدي والدراسة والبحث قبل أي موقف متسرع بالتأييد أو الاستنكار. كي يسهم الجميع بمعالجة حقيقية، تعمل على نزع فتيل التوتر والاحتقان، وتعلي صوت العقل والمنطق والحق والمصلحة العامة. وتفسح في المجال لولادة حلول توافقية ومعقولة، توفق بين الحريات الشخصية والعقائد الخاصة وقدسية احترامها، وبين مستلزمات الحياة المعاصرة والدولة الحديثة وأهمية الأخذ بها واعتمادها، ليس كفعل اختيار فحسب، بل كفعل ضرورة أيضاً، لإنفاذ خطط الدولة وبرامجها في العمل والتنمية والتحديث.

– 3-

هذا في مجال المجتمع. أما في إطار الدولة ” صوت الأمة ” وموضع حلول العدالة والخير الأعظم والمصالح المرسلة، فللموضوع حديث آخر. فالدولة تتمتع بمشروعية التدخل في مؤسساتها وعبرها – في إطار العمل الدستوري والقانوني – لإشاعة القيم والتصورات والأهداف الحياتية المعاصرة، التي يفترض أن تكون القيم العامة للمجتمع.

وكما هو واضح للجميع، فإن النقاب ” عادة وليس عبادة ” كما قال شيخ الأزهر. وبالتالي يجب الفصل كلياً بين النقاب والمنقبات من جهة وبين الإسلام كدين ورسالة من جهة أخرى. وكون المنقبات مسلمات لا يعني أن النقاب يخص الإسلام ومتوجبات عقيدته. وهو غريب عن المجتمع السوري ووافد إليه. ولا يحق لأحد أن يضع معارضة النقاب وارتدائه موضع معارضة الإسلام وثقافته. أو يبالغ فيضعه في موضع العداء. وشهادات رجال الدين المعتبرين والمؤسسات الدينية المعتمدة أكثر من تحصى في هذا المجال. وما منع النقاب في جامعة الأزهر ومعاهده إلا حجة قوية على هذه الطريق. كما أن معارضة تنقيب المرأة، بل الاعتراض عليه، يصبح من حق جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم. لأنها قضية رأي عام ومن حق الجميع بل من  واجبهم أيضاً الإسهام فيها لتكوين رؤية وموقف لمعالجتها.

بما أن الدين أحد تعبيرات الحياة الاجتماعية للإنسان، يستهدف مصلحة البشر، وليس وسيلة لخنقهم بطقوس قد تفضي في النهاية إلى عكس ما أريد منها. والدولة المدنية تعمل على ضبط النشاطات المشتركة في المجتمع وتنظيمها، وفق معايير المردودية والفاعلية والحداثة، وتحرص على سلامة الإنسان، وتحترم كرامته وحريته والمساواة بين أفراده، وتقوم على الفصل بين العقائد الدينية والمنجزات الحضارية للحداثة، دون أن تتنكر للقيم والثقافة التي يؤمن بها المجتمع، فليس من المحتم التصادم بينهما، وإحلال منطق الاحتراب والصراع بديلاً لمنطق التناغم والانسجام والحوار لتحقيق الغاية المشتركة. ألا وهي إنسانية الإنسان. والتجربة التركية الحالية تثبت إمكانية حصول توافق بين القيم التراثية الخاصة للشعوب ومعايير الحداثة الكونية وقيم المدنية والحضارة المشتركة في العصر الحديث.

وهنا يصبح من حق الدولة ومؤسساتها العمومية أن تضع معايير للعمل في إداراتها وأعمالها المختلفة. ولن يكون النقاب إلا خارج هذه المعايير. وخاصة في الأعمال التي تتطلب تواصلاً إنسانياً مباشراً بين العاملين في الإدارة وبقية المواطنين. فليس من المقبول أن تستقبل مضيفة طيران الركاب المسافرين بوجه قماشي أسود لا ملامح فيه. ولا من المعقول أن تقبل طبيبة أو ممرضة على مرضاها وتؤدي عملها بتواصل إنساني وفعالية مطلوبة دون أن يرى المريض وجهها، ويستشعر نتائج عملها. كما ليس من المنطقي أن تمارس المعلمة رسالتها التربوية المقدسة من وراء ستار، يحجب الرؤية الصحيحة والتواصل الفعال والمشاعر والانفعالات النبيلة المتوجبة، ويحول دون النزاهة في معاملة الطلبة المتنوعين والمختلفين لعلة التعصب والانغلاق التي ترافق النقاب ومن يرتديه وتلازمهما. ومن يستطيع أن يضمن سلامة امتحانات جامعية إذا دخلت الامتحان طالبة منقبة مكان أخرى، دون أن يتمكن أحد من التحقق من هوية وحضور الطالبة المعنية؟!

صحيح أنه ليس للدولة أن تفرض على المجتمع خياراته. لكن الصحيح أيضاً، أنه ليس للمكونات الاجتماعية أن تفرض على الدولة عاداتها وتقاليدها الخاصة وطريقة عيشها تحت أي مسمى. فللدولة منطقها ووسائلها ومعاييرها التي يحددها الانتظام العام والحياة المعاصرة. ويحق لها أن تتخذ موقفاً من الجمود والانغلاق، وتعمل للحيلولة دون اغتيال العقل والتخلف.فالنقاب ظاهرة تطرف ومغالاة بحد ذاته. يضر بقضية الاندماج الوطني، ويسيء إلى المرأة كإنسان، ويهدر كرامتها وحقوقها. ويساعد على نشر التطرف وتعميق الانقسامات الاجتماعية. ولأنه يلغي الوسيلة الأولى والمباشرة للتواصل الإنساني بين البشر، تصبح المرأة بسببه ضحية مرتين. مرة لحرمانها من معاينة الطبيعة والبشر بشكل حر ومباشر، وبذلك تفقد بعض حريتها. ومرة لأن النقاب يفرض عليها من أب أو أخ أو زوج، وبالتالي تخسر شيئاً من كرامتها. ويأتي القسر الحكومي الذي يفرض ولا يحاور، يستبعد ولا يناقش، ليضيف ضلعاً آخر لمثلث محنتها مع النقاب. دون أن نتجاهل أثر النقاب السلبي على حياة المرأة وعلى أسرتها ومجتمعها أيضاً. وليس بعيداً عن الحقيقة تعبير ” الكفن الأسود ” الذي يصف هذه الحالة. لذلك لا يمكن تجاهل هذه الظاهرة. بل تتوجب معالجتها بالبحث في عمق المشكلة ودوافعها القريبة والبعيدة. وأمام العقل والحكمة متسع من الوقت وفيض من طرق عديدة أخرى لمعالجة هذه القضية. فهي ظاهرة اجتماعية ثقافية، لكنها مثقلة بالحمولات السياسية وأشكال الاعتراض والاحتجاج المفهومة وردات الفعل السلبية وغير المناسبة.

إننا في حزب الشعب الديمقراطي السوري، إذ نعمل على دفع بلادنا ومجتمعنا باتجاه الحداثة والديمقراطية، والتي فشلنا كسوريين حتى الآن في تحقيقهما، فإننا نحذر من النكوص الفكري والاجتماعي الذي يترافق مع هذا الفشل. والذي يحمل معه عوامل بقاء المرأة ” تحت رحمة القوانين السائدة المجحفة والموروث التاريخي والتقاليد المتخلفة “، والعودة بوضعها إلى الوراء. وما النقاب وانتشاره في مجتمعنا إلا أحد عوامل هذا النكوص ومؤشراته. إننا نعمل على ” تنمية وتعزيز دور المرأة في الحياة العامة، وزيادة حصتها من المناصب العمومية وداخل الأحزاب… وفي جميع أوجه النشاط المجتمعي “. واستناداً إلى علمانيتنا وسعينا وراء الدولة المدنية، نجد أنفسنا دون تردد إلى جانب حرية المرأة وتمكينها اقتصادياً في سوق العمل بمختلف أنواعه. وهذا يستحضر بداهة رفضنا لتنقيبها، وتأييدنا لبلوغها أعلى المناصب كامرأة حرة متحررة من كل القيود وأولها النقاب. وسنبذل قصارى جهدنا بعمل جاد ومجتهد في حوار مجتمعنا حول هذه القضية وخاصة دعاة النقاب فيه، راغبين في إزالة الالتباسات وفك الاستعصاءات التي تعيق وصول الحوار إلى نتائج إيجابية مرضية. مستندين إلى جهود النهضويين العرب والنشوء التاريخي للدولة السورية عند منتصف أربعينات القرن الماضي، التي عملت على ترسيخ الحداثة في نهجها ومؤسساتها الوليدة آنذاك. قبل أن تحل مرحلة النكوص، التي كان نظام القمع والاستبداد أحد مولداتها البارزة.

إن إنجاز عملية التحول الديمقراطي المنشود في بلادنا كفيل بالحد من التوجهات المتطرفة والمغالية التي تفرزها النزعات الأصولية الإسلاموية، وتؤمن توجهها التدريجي وعودتها إلى الأصل نحو الاعتدال.

لا تستطيع الشعوب أن تتوافق مع – أو تتغاضى عن – ما يسعى إليه بعضهم من إغلاق بوابة التاريخ وسجن الحياة المعاصرة في الماضي. فلا بد من مواجهة الأفكار والتصورات والمفاهيم المحنطة عن الماضي والحاضر والمستقبل، عن الدولة والمجتمع والفرد، عن المرأة والطفل والحريات الشخصية، وعن الفلسفة والفكر والفن والأدب والحريات العامة وحقوق الإنسان. كما لا تستطيع أن تتخلى عن توقها للخروج من نظام الاستبداد القائم على الفرض والانصياع والأوامر العرفية إلى رحاب النظام الديمقراطي المستند إلى حضور الشعب بفعالية وسيادة خياراته الحرة. 

=================================

 

اترك تعليق