أزمـــــة الاقتصـــــاد الأميــركـــي: الــعــــودة إلى 1938

0
789

إليكم الوضع: شلّت أزمة مالية الاقتصاد الأميركي. لقد حدّت سياسات الرئيس من الأضرار، لكنّها كانت حذرة جداً، ولا تزال البطالة مرتفعة بطريقة كارثية. من الواضح أنّ هناك حاجة إلى مزيد من التحرّك. غير أن الرأي العام غاضب من النشاطوية الحكومية ويبدو أنّه يتّجه إلى إلحاق هزيمة نكراء بالديموقراطيين في انتخابات منتصف الولاية.

الرئيس المقصود هو فرانكلين ديلانو روزفلت؛ والعام هو 1938. بالتأكيد، في غضون سنوات قليلة، انتهى الركود الكبير. لكن النظر إلى حالة أميركا حوالى عام 1938 منوِّر ومحبط في الوقت نفسه – إنّه منوِّر لأنّ طبيعة المعافاة التي أعقبت الركود الكبير تدحض الحجج التي تطغى على النقاش العام اليوم، ومحبط لأنّه من الصعب رؤية معجزة الأربعينات تتكرّر من جديد.

حسناً، لم يكن يُفترَض بنا أن نجد أنفسنا نكرّر ما حدث في أواخر الثلاثينات. لقد وعد الخبراء الاقتصاديون في إدارة الرئيس أوباما بعدم تكرار أخطاء 1937، عندما سحب روزفلت الحوافز المالية قبل الأوان. لكن هذا بالضبط ما فعله أوباما عبر جعل برنامجه صغيراً جداً وعمره قصيراً جداً: زادت الحوافز المالية النمو عندما كانت لا تزال مطبَّقة، لكنّها لم تُحدِث سوى فارق صغير في البطالة – وبدأ هذا الفارق يتلاشى الآن.

وكما تخوّف بعضنا، لقد وقعت الإدارة الأميركية – والبلاد – في فخ سياسي بسبب عدم ملاءمة الخطة الاقتصادية الأولى التي وضعتها الإدارة. ثمة حاجة ماسّة إلى مزيد من الحوافز، لكن في نظر الرأي العام، لقد أدّى إخفاق البرنامج الأوّل في تأمين معافاة مقنِعة إلى تجريد التحرّك الحكومي لاستحداث وظائف من صدقيّته.

باختصار، أهلاً بكم في عام 1938.

قصّة عام 1937، وقرار روزفلت الكارثي الإصغاء إلى القائلين بأنّ الوقت حان لخفض العجز، معروفة. لكن ما ليس معروفاً بالدرجة نفسها هو حجم الاستنتاجات الخاطئة التي استخلصها الرأي العام من الركود الذي أعقب هذا القرار: فبعيداً من المطالبة باستئناف البرنامج الجديد، فقد الناخبون إيمانهم بالتوسّع المالي.

لنأخذ على سبيل المثال استطلاع الآراء الذي أجراه معهد "غالوب" في آذار 1938. فرداً على سؤال حول ما إذا كان يجب زيادة الإنفاق الحكومي لمحاربة الركود، أجاب 63 في المئة من المستطلعين بالنفي. ولدى سؤالهم إذا كان من الأفضل زيادة الإنفاق أو خفض الضرائب على الأعمال، أيّد 15 في المئة فقط زيادة الإنفاق، في حين قال 63 في المئة إنهم يؤيّدون الخفوضات الضريبية. وكانت انتخابات 1938 كارثة للديموقراطيين الذين خسروا 70 مقعداً في مجلس النواب وسبعة مقاعد في مجلس الشيوخ.

ثم وقعت الحرب.

من وجهة نظر اقتصادية، كانت الحرب العالمية الثانية قبل كل شيء انفجاراً في الإنفاق الحكومي الذي يموِّله العجز على نطاق ما كان ليُقبَل به لولا الحرب. طوال مرحلة الحرب، اقترضت الحكومة الفيديرالية مبلغاً يوزاي تقريباً ضعف قيمة إجمالي الناتج المحلي عام 1940 – أي ما يساوي حوالى 30 تريليون دولار اليوم.

لو اقترح أحدهم إنفاق ولو جزء ضئيل من ذلك المبلغ قبل الحرب، لقال الناس الأشياء نفسها التي يردّدونها اليوم. لحذروا من وطأة الديون الثقيلة والتضخّم الخارج عن السيطرة. ولقالوا أيضاً، عن حق، إن سبب الركود إلى حد كبير هو فرط الديون – ثم  لأعلنوا أنه من المستحيل تصحيح هذه المشكلة عبر إصدار مزيد من الديون.

لكن احزروا ماذا. تسبّب الإنفاق على المديونية بطفرة اقتصادية – والطفرة أرست أسس الازدهار في المدى الطويل. في الواقع، تراجع مجموع الدين في الاقتصاد – الدين العام زائداً الخاص – كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، وذلك بفضل النمو الاقتصادي، وأجل، بعض التضخّم، مما خفّض القيمة الحقيقية للديون المستحقّة. وبعد الحرب، بفضل تحسّن الوضع المالي للقطاع الخاص، استطاع الاقتصاد أن يزدهر من دون عجوزات مستمرّة.

العبرة الاقتصادية واضحة: عندما يعاني الاقتصاد من ركود شديد، لا تنطبق القواعد المعتادة. التقشّف يقضي على الأهداف التي وُضِع من أجلها: عندما يحاول الجميع تسديد الديون في الوقت نفسه، النتيجة هي الركود والانكماش، وتزداد مشكلات الديون سوءاً. وفي المقابل، من الممكن – لا بل من الضروري – للدولة بكاملها أن تنفق كي تشقّ طريقها للخروج من الديون: يمكن أن يعالج ارتفاع موقّت في الإنفاق على المديونية، على نطاق كافٍ، المشكلات التي تتسبّب بها الإفراطات السابقة.

لكنّ قصّة 1938 تُظهر أيضاً أنه من الصعب جداً تطبيق هذه الرؤى. حتى في عهد روزفلت، لم تكن هناك قط الإرادة السياسية للقيام بما هو ضروري لوضع حد للركود الكبير؛ فالحل جاء في شكل أساسي من طريق الصدفة.

أملت في أن نبلي في شكل أفضل هذه المرّة. لكن يتبيّن أن السياسيين وخبراء الاقتصاد على السواء تجاهلوا طوال عقود دروس الثلاثينات، وهم مصمّمون على تكرار كل الأخطاء القديمة. ومن المثير للاشمئزاز بعض الشيء أن ندرك أن الرابحين الكبار في انتخابات منتصف الولاية سيكونون على الأرجح الأشخاص أنفسهم الذين ورّطونا في هذه الفوضى، ثم فعلوا كل ما بإمكانهم لعرقلة التحرّك الهادف إلى إخراجنا منها.

لكن تذكّروا دائماً: يمكن معالجة هذا الركود. فجلّ ما يتطلّبه الأمر هو القليل من الوضوح الفكري، والكثير من الإرادة السياسية. عسى أن نجد تلك الفضائل في المستقبل غير البعيد.

"نيويورك تايمز"

ترجمة نسرين ناضر

 

 

(كاتب عمود خاص في "نيويورك تايمز".)     

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.