لو أنهم يستمرون في رقص وغناء

0
261

الحياة     – 20/12/08//

 

* الأحد 14/12/2008: رقص وغناء

 

يتشابه اللبنانيون أمام الموائد وأثناء الرقص والغناء، فترفض التصديق أنهم يتصارعون أبداً عند حافة حرب، ثم يسقطون في أتونها كل عشر من السنين.

لو أنهم يستمرون في رقص وغناء وفي الأكل من مطبخهم الواحد. لو أنهم يصمّون الآذان عن خطب الأيديولوجيين التجريديين، لكان لبنان أكثر جمالاً، والكون كذلك.

«انتهت الحرب» إعلان يطوي يوميات الموت والدمار، وحين يسمعه الناس تسقط عن ظهورهم المتعبة أثقال وترفع من وجوههم أسئلة القلق وتوقّع الأخطار.

في بلادنا لا نسمع أبداً هذا الإعلان. سلامنا هدنة بين حربين، وحروبنا لا بداية لها ولا نهاية.

 

* الاثنين 15/12/2008: يا أهلاً

 

نحن العرب

تؤنسنا الهزيمة فنتوحد من حولنا مستسلمين أو متمردين أو ناقدين.

أما نصرنا، وهو القليل النادر، فيحمل إلينا الخلاف، وقد يوصلنا الى حروب أهلية.

يا أهلاً بالهزائم.

 

* الثلثاء 16/12/2008: هالا محمد

 

نعرف الشعب السوري، أو نزداد معرفة به، حين نشاهد الفيلم الوثائقي «كم لنا» (بثته قناة الجزيرة). مخرجة الفيلم الشاعرة السورية هالا محمد كثفت في وقت محدود مشاهد وأغاني ورقصات شعبية وشهادات عن ثوار ضد الاحتلال الفرنسي: يوسف العظمة وصالح العلي وإبراهيم هنانو وسعيد العاص وعز الدين القسام الذي استشهد هو وسعيد العاص لاحقاً في فلسطين، إشارة الى تلازم في مواجهة الانتدابين الفرنسي والبريطاني (والأمر أكثر تعقيداً في فلسطين لتفاقم الاستيطان الصهيوني وميليشياته المسلحة).

«كم لنا من ميسلون نفضت عن جناحيها غبار التعب»، تغنيها نجاح سلام، ومنها يقتطف عنوان الفيلم: بيت العائلة انطلق منه يوسف العظمة الى مصيره في ميسلون، وبيت صالح العلي تقف ابنته عند بابه وعلى وجهها دوائر ضوء من خلال شجرة وارفة. بيت الثائر السوري الجبلي واسع وخاو إلاّ من كرسيه. نسمع صوت الغناء الشعبي شجياً، ثم مملوءاً بالحماسة «يا فرنسا خبزك مالح، والدولة للشيخ صالح».

أما بيت إبراهيم هنانو فيبدأ من حديقة تتوسطها فسقية ماء يظللها نبات بلا عناية، وعند المدخل صور معلقة لهنانو ورفاقه. يروي أحد الأقرباء عند محاكمة الثائر وتضامن سعدالله الجابري معه ومهارة محاميه الحلبي فتح الله الصقال. ولدى ذكر سعيد العاص نرى أزقة حماه وقد استعادت التظاهرة القديمة، مجموعة تحمل على الأكتاف شاباً واقفاً (المشهد مثل لوحة لماغريت): «وإن هلهلتي هلهلنا لك». ويروي حفيد عز الدين القسام حكايات نضال جده الشيخ ما بين سورية وفلسطين. أما سلطان الأطرش فيتحدث عنه أقرباؤه، ويصطف شيوخ في رقصة حرب، ويغني شيخ آخر: «من الشيخ للطفل الرضيع، كار الحرايب كارنا»… مع انهاء بالجولان وأهله المصرين على الانتماء الى وطنهم سورية.

الثوار الذين تناولهم الفيلم أصدقاء ورفاق درب تعاونوا لتحرير وطنهم. وهم حاضرون في وجدان الشعب السوري، يتوحد من حول ذكراهم ويستعيدها بعواطف متشابهة.

يحاول فيلم هالا محمد، بجمالياته اللافتة، تقديم روح الحرية لدى الشعب السوري معبّراً عنها بالغناء وحكايات أبطال يستمرون في الذاكرة.

 

* الأربعاء 17/12/2008:

 

غادة السمان

 

تشغل بيروت موقعاً أساسياً في كتابات غادة السمان، خصوصاً في رواياتها. في كتابها الجديد «امرأة من ثلج» يتصاعد الخوف مجدداً على المدينة، ربما للمرة الألف:

«من جديد، وقعد ثلاثة عقود من «بيروت 75» وكوابيسها

تنهض عرّافتي «خاتون» من قبلها

وهي تعول وتحذرني وتنتحب

صارخة برؤيا جديدة مرعبة قائلة:

أرى دماً… كثيراً من الدم!

اتركيني بسلام يا «خاتون» العرّافة قد تعبتُ،

ولا أريد أن أعرف!

تعبنا، قرائي وأنا، أرجوك، اذهبي

الى كاتب آخر بنبوءاتك الشكسبيرية المرعبة!

فحتى الذين لم يولدوا بعد تعبوا…

واتركيني… امرأة من الثلج في زمن الغربة والحرية».

الكاتبة التي فقدت رفيق عمرها بشير الداعوق، تخصص له معظم كتابها. ولا تناقض إذ يشارك بيروت في كتاب واحد، فهو ابن المدينة، وسيرته قبس من سيرتها، لكن غادة تأسف لأنه كان السابق:

«بوسعي أن أغفر لك كل خيانة

إلا خيانتك لي مع الموت:

فحذار من الموت قبلي…

في قصص الحب، أحب أن أكون،

أول من يغادر المسرح ويسدل الستارة…

فلا تسرق مني دوري المفضَّل!».

 

* الخميس 18/12/2008: ثنائي

 

هذا النمش على أنفك والوجنتين باق في مدينة الثلج، والشمس التي قبلتك في بلاد بعيدة لا تني تطبع شفاهها الحارة على وجهك عبر المسافات والغيوم. لكن أكوام الثياب تخفي ملامح الجسد، فلا أرغب في رؤيتك خارج البيت. لنا الغرفة نوسع جدرانها لتحوي ما نرغب من وطن ولادتنا ومن بلاد أقمنا فيها مثل غجر لا يعرفون أنهم غجر.

ليس من شيء يستمر حاضراً ليصير أليفاً. ليت لنا امتدادات، فالأمكنة والأشياء كلها منفصلة وعابرة.

لنا الغرفة وجسدانا. ولأن الغرفة هي أيضاً عابرة، نكتفي بجسدينا ثنائياً طائراً في هذا الكون.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.