اختراق جدار الصمت العربي والاعتراف بكوسوفو

0
286

علّق بعض الكتّاب العرب أخيراً على ما أسموه «تناقضنا أمام استقلال كوسوفو»، وقد توقّف أحدهم عند المفارقة الغريبة التي تختلط فيها الألوان. فالغرب تدخل بقوة في 1999 لانقاذ الألبان المسلمين هناك (95 في المئة من مجموع الألبان، والبقية، أي الـ 5 في المئة كاثوليك) من تصفية جماعية أودت بنصفهم في الدول المجاورة حتى حزيران (يونيو) 1999 ونصفهم الآخر في انتظار مصيرهم البائس، وساعدهم في عملية سياسية طويلة 1999-2008 أفضت الى استقلال دولة قائمة على المواطنة والمساواة في 17/2/2008، فإن الموقف العربي والإسلامي عبر بالفعل عن تناقض غريب. وهذا ما بين اعلان استقلال كوسوفو في البلقان والصمت الذي طاوله عربياً واسلامياً. فقد ولدت جمهورية جديدة ولكن أصحاب الأصوات الهاردة بقضايا العرب والمسلمين لم يجدوا في ذلك ما يستحق أدنى اشارة.

وبالفعل كان الموقف العربي والإسلامي مفاجئاً للكوسوفيين. فقد تتالت الاعترافات بدولتهم في الغرب (22 دولة من 27 دولة للاتحاد الأوروبي) وحتى في اقصى الشرق (اليابان وماليزيا) بينما استمر موقف الدول العربية على ما هو عليه من صمت عجيب.

ونظراً لأن هذا الموقف أصبح يثير الاحتقان في الشارع الكوسوفي، تداعت شخصيات ومنظمات المجتمع المدني هناك وفي العالم العربي الى ندوتين الأولى في عمان (نيسان/ابريل 2008) والثانية في بريشتينا (آب/أغسطس 2008) للاقتراب أكثر من هذا الموضوع لفهم هذا الموقف العربي المحير.

ووصل الاستغراب بوزير الاقتصاد الكوسوفي أن يروي بتندر ما حصل له في جنيف خلال اجتماع دولي حين اقترب لتحية وزيرة عربية فوجد نفسه أمام كاميرات الصحافيين، وفوجئ حين رجته الوزيرة الا تنشر أية صورة عن هذا اللقاء لكي لا تعرف بها حكومة دولتها.

وجاء تصرف بعض الدولة العربية في الأسبوع الماضي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليوضح أكثر هذه المفارقة. فقد التقى هناك بعض وزراء خارجية الدول العربية بوزير الخارجية الكوسوفي اسكندر حسيني بينما رفض البعض حتى اللقاء به لأنهم وعدوا صربيا بالتصويت على طلبها بإحالة الأمر (استقلال كوسوفو) الى محكمة العدل الدولية في 8/10/2008.

وكان المراقبون يعرفون ان هذه الحركة ليست سوى هروب الى الامام وامتصاص للشارع الصربي فقط، حيث أن أهم الدول اعترفت حتى الآن بالدولة الكوسوفية، بالاضافة الى ان محكمة العدل الدولية سترد على ذلك بعد حوالى سنتين وسيكون ردها بطابع استشاري غير ملزم لأحد. ولكن كان يلاحظ هنا ان قلة من الدول العربية صوتت لصالح الطلب الصربي (سورية ومصر والسودان والجزائر وجيبوتي) بينما امتنعت عن التصويت معظم دول الاتحاد الأوربي ومعظم الدول العربية.

ومع أن الاعلام الشعبوي في صربيا والدول التي تؤيدها اعتبر أن ماحصل «نصر عالمي»، جاء الرد المهم من الدول المجاورة (مكدونيا والجبل الأسود) التي اعترفت في اليوم التالي (9/10) باستقلال كوسوفو.

وأهمية هذا الاعتراف تكمن في أن كل مكونات الاتحاد اليوغوسلافي السابق تقريباً اعترفت بكوسوفو التي كانت هي أيضا من مكونات هذا الاتحاد (سلوفينيا وكرواتيا ومكدونيا والجبل الأسود). وهكذا في الوقت الذي تعترف هذه الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة بها، نجد بين الدول العربية من يزاود عليها ويرفض الاعتراف، بحجة العلاقات السابقة مع يوغوسلافيا التيتوية، مع أن صربيا ميلوشيفيتش  هي التي كانت وراء انهيار يوغوسلافيا التيتوية تلك.

لذلك فتحت هذه الاعترافات الجديدة الطريــــق أمام مبادرة دولة الامارات العربية المتحدة التي جاء بيانها هادئاً ومعبـــراً في 14/10/2008 في استناده على «حق الشعوب في تحرير المصير» فقط من دون أية مرجعية ايديولوجية أخرى.

ومن هنا فإن ما قامت به الامارات يؤشر بالفعل الى اختراق هذا الموقف العربي الصامت الذي اصبح من الصعب تفسيره سواء على مستوى النخب أو على مستوى الشعوب. فليس من المعقول ان يستمر التعامل مع الدولة الكوسوفية بمنطق الضدية الايديولوجية، أي رفض الاعتراف بها لأن الغرب ساعد المسلمين على النجاة بحياتهم او الاستقلال بشؤونهم، وكأنه كان على المسلمين هناك ان يقبلوا بمصيرهم البائس وخسارتهم وطنهم حتى ينالوا القبول والاعتراف بهم كشهداء ولاجئين ومهجرين ومهاجرين من العرب والمسلمين!

موقف الامارات يذكّر بجملة مهمة وردت في نهاية مقالة لكاتب عربيّ، حاولت وصف عمق الموقف هذا وأهميّة تغييره: «الاقلاع عن الضدية الايديولوجية شرط الانجاز وشرط الصدق مع النفس وشرط العيش في عالم معاصر ومتعدد».

"الحياة"

اترك تعليق