التوغل الأميركي في سوريا عملية برسم.. المستقبل

0
131

في شباط الماضي، جمع الرئيس الأميركي جورج بوش أركان إدارته وأبلغهم بالحرف الواحد: سنبقى نقفز حتى آخر لحظة من هذه الولاية.

وفي ذاك التاريخ، أكدت الأوساط الأميركية أن تقرير بايكر ـ هاملتون سقط لأن خارطة الطريق التي رسمها هي عملياً خارطة طريق لابتزاز واشنطن، وليس لتعزيز موقعها في الشرق الأوسط، وضمان الاستقرار في العراق.

ولما تمّت كتابة هذه المواقف نقلاً عن مسؤول أميركي التقته »المستقبل« في واشنطن، شنّ منظرو النظام السوري ممن يبيعون أنفسهم للرئيس السوري بشار الأسد على أساس أنهم الخبراء المحلفون بخفايا البيت الأبيض، حملة مضادة، مؤكدين أن واشنطن انتهت كقوة عظمى، ودخلت في نفق لا تخرجها منه إلا »حكمة القيادة السورية«.

ويوم اجتمعَت في نيويورك وزيرة الخارجية الأميركية بنظيرها وليد المعلم (كم كان شبيهاً بالصحاف، وهو يتمرجل من لندن)، مقدمة له ما اعتبر إنذاراً شفوياً حتى لا يفهم بشار الأسد خطأ الانفتاح الأوروبي عليه، خرج إيلي الفرزلي يُنظر علينا، متكئاً على زيارة معروفة الأهداف لمعاون رايس، كيف أن واشنطن انتقلت من ضفة الى أخرى.

ويوم كان مسؤول أوروبي معروف عنه صمته يوصل رسالة واضحة المعالم الى الأسد، بوجوب ألا يتابع مسيرته في سياسة موصوفة بالمراهقة، حيث يدّعي شيئاً ويفعل شيئاً آخر، أسمعنا وئام وهّاب وناصر قنديل وبثينة شعبان ومعاونها ميشال سماحة، أطروحات تُظهر أن دمشق احتكرت القرار الأميركي.

ويوم كان بشار الأسد يتحدث عن تحوّل لبنان الى وكر للإهارب، كاد صواب رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يطير، إذ لم يسبق له أن استمع الى رئيس دولة يتّهم الآخرين بما هو فاعل، وراح يدلل على المعابر التي يتوسلها الإرهابيون للعبور الى بلاده لضرب الاستقرار فيها، ومنع السلطة المركزية من بسط سلطتها.

ويوم كان الأوروبيون تتقدمهم السلطات الفرنسية يجزمون بأن الأسد قرّر أن يقطع مع إيران »بالتي هي أحسن«، كان الجنرال ديفيد بتراوس يبتسم، مقدماً كل الأدلة على أن الأسد أوهن من أن يُنفّذ ما يعد به، وأنه متفق مع إيران اتفاقاً كاملاً على حماية نظامه، بإطلاق ادّعاءات واهية.

ويوم بدأت مرحلة البطة العرجاء في الولايات المتحدة الأميركية، اجتمع بوش مع بتراوس (يُعتقد أن اجتماع 16 أيلول الماضي كان المفصلي)، مجدداً ثقته به، طالباً منه أن يأخذ راحته في وضع الاستراتيجية التي يراها مناسبة لتوفير الاستقرار في العراق ولحماية لبنان من الطموحات »المراهقة« لبشار الأسد تجاه لبنان.

وبعد هذا التاريخ، تحوّل بتراوس الى المقرر الفعلي في شؤون الشرق الأوسط. هو، يتفاعل مع التوجه القائل بإرجاء كل قرار عسكري تجاه إيران في هذه المرحلة، ولكن على قاعدة السماح بوجوب تجفيف منابع الإرهاب التي تصب في العراق، ولا سيما منها تلك الواردة من سوريا التي تبقى أهم موزع في كل الاتجاهات، وهي بفعل التراخي معها عراقياً، بدأت تتمدد نحو لبنان.

وبتراوس هذا الذي ينال ثقة الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديموقراطي، وتعرّفت عليه القيادات العسكرية والسياسية في لبنان، هو من معتنقي عقيدة »بتر الأذرع« الإيرانية. بالنسبة إليه، يبقى النظام السوري حتى إشعار آخر، ذراعاً إيرانية طويلة في العراق وفي لبنان وفي فلسطين، وكذلك هي حال »حزب الله« بالنسبة له.

ومن يدقق بالصحافة الأميركية، يُدرك تماماً أن النظام السوري في وضع لا يُحسد عليه مطلقاً، فصحيفة »واشنطن بوست« التي أعلنت وقوفها الى جانب المرشح باراك أوباما تتخذ مواقف تتفوّق بعدائها للقيادة السورية من تلك التي تتخذها صحيفة »وول ستريت جورنال »المحسوبة على الحزب الجمهوري، لا بل على صقوره.

وقد وصفت »صحيفة أوباما« في مقالها الافتتاحي ـ وهو لا يُغطي الماضي بل يُنبئ بالمستقبل أيضاً كما يؤكد متابعو الصحافة الأميركية ـ النظام السوري بنظام الإجرام، مقدمة في ردها على ما قاله وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي كان أشبه بالدمية الروسية في إطلالته البريطانية، »لائحة اتهام« تتضمن الآتي: كانت أبرز نشاطات هذا النظام في السنوات الأخيرة سلسلة الاغتيالات التي طالت سياسيين لبنانيين رفيعين بمن فيهم الرئيس رفيق الحريري؛ والاستمرار في تزويد ميليشيا »حزب الله» بالسلاح بشكل غير قانوني لاستخدامه ضد إسرائيل وحكومة لبنان الديموقراطية؛ وإيواء كبار قادة »حماس» وغيرها من المجموعات الإرهابية الفلسطينية في دمشق؛ وإيواء شبكة للقاعدة تُرسل 90% من المقاتلين الأجانب الذين يخوضون حرباً ضد القوات الأميركية والحكومة العراقية.

وجاء أيضا في هذا المقال الافتتاحي: »يبدو أن منطق الديكتاتور السوري بشار الأسد هو أن بإمكان نظامه أن يرعى أعمال القتل وتهريب الأسلحة والتسلّل والتفجيرات الانتحارية في بلدان مجاورة، في حين يتوقع أن يكون هو بمنأى عن أيّ ردّ جراء تردّد الديموقراطيات. ولقد كان هذا الأمر صحيحاً على نحو مؤسف طوال هذا العقد».

قبل أن تُنهي: »الآن وجّهت الولايات المتحدة الرسالة نفسها علّ الديكتاتور السوري يُعيد النظر باستراتيجيته».

أما »صحيفة بوش ـ أوباما« فذهبت الى التحسر على تفويت فرصة فرض الاستقرار في العراق من خلال عدم ضرب النظام السوري، طالبة من أوباما في حال أراد النجاح في رئاسته، أن يُغطي الثغرة التي باتت بارزة وإكمال ما بدأته إدارة بوش متأخرة خمس سنوات.

وسط هذه الصورة الأميركية ـ العراقية، يمكن إدراج الإنزال الأميركي في عمق ثمانية كيلومترات في سوريا، وهو توغل يحمل إذن في طياته رسالة مستقبلية أكثر مما هو عمل قائم بذاته، وهذا بالتحديد ما يُخيف قيادة بشار الأسد التي شعرت خلال وجود وليد المعلم في لندن، كم هي واهنة مراهنتها على الأوروبيين في حال لم تلتزم بجدول الأعمال الذي ادّعت أنها تلتزم به.

ولقد كانت صورة لندن معبّرة. وليد المعلم الذي كان يعد نفسه بمؤتمر صحافي وإلى جانبه نظيره البريطاني، وجد نفسه وحيداً، لسبب معلن عنوانه، خشية لندن من أن تتحمل مسؤولية مواقف دولة تمّ الاعتداء عسكرياً عليها وعلى سيادتها.

على أيّ حال، إن ردة الفعل السورية تُظهره نظاماً مربكاً، ويتجلى ذلك في الآتي:

لا يذهب بشار الأسد الى مجلس الأمن على الرغم من أن اعتداء سيادياً كهذا الاعتداء يفترض طرحه على طاولة »الحكومة الدولية«، ويعود الامتناع عن ذلك، ليس الى خشية من فيتو أميركي، بل من فتح ملف دمشق الإرهابي على طاولة مجلس الأمن.

وبدل أن يقطع ما تبقى من علاقاته الديبلوماسية مع واشنطن، يسارع الأسد الى معاقبة شعبه بإقفال مدرسة ومركز ثقافي.

وعوض أن يفكر في طريقة خلاص شعبه من مصيبة لا بد آتية، فهو يسلك الدرب الديكتاتورية المعهودة، اي تحريك »الجماهير« بأمر من الأجهزة الأمنية القابضة على الأرواح والممتلكات، وهي الجماهير التي لم تنقذ العراق سابقاً، ولم تنفع الزعيم معمر القذافي الذي وجد خلاصه في تغيير سلوكياته.

ومن دون أن ينتهج نهجاً يعيده الى الأسرة العربية، يسخّر بلاده أرضية لتخويف لبنان وترهيب العراق والتهجم على المملكة العربية السعودية ومصر، في حين يتكئ على بعض المواقع الإلكترونية لشن هجوم على القيادة الأردنية.

إذاً، الصورة واضحة، فاللحظة التي اعتبرها الأسد مناسبة للانقضاض على الجغرافيا، كانت هي اللحظة التي تحركت فيها الجغرافيا ضده.

ثمة من يقول: هذا الرأس الظاهر من جبل الجليد… والآتي أعظم.

"المستقبل"

اترك تعليق