انتهاكات تعمّم نزعة الاستباحة

0
47

طصارت انتهاكات القوات الأميركية، للحدود الدولية أشبه بالعملية الروتينية. تتكرر في أكثر من ساحة ومكان. وكأنها تحوّلت إلى نمط في التعامل مع الآخرين. تحصل بذريعة مطاردة الخطر أو استباقه.

وفي أكثر من حالة، تبيّن أنه خطر مزعوم. وتتم ممارستها من دون أي اعتبار للقوانين والمواثيق والأعراف الدولية، أمس كان دور سوريا، قوات أميركية محمولة جواً عبرت حدودها مع العراق، لتقوم بإنزال في عمق 8 كلم؛ رافقه قصف جوي، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من بين المدنيين. مصادر الجيش الأميركي وعدت بإجراء تحقيق والكشف عن خلاصته لاحقاً.

الخطير في الأمر أن هذه القوات قامت بالاعتداء على أراضي بلد والمساس بسيادته، مع التسبب بسقوط ضحايا من مواطنيه؛ من دون أن تكلف نفسها ولو بشرح ما حصل.

تقوم بالانتهاك الصارخ، ثم تشرح لاحقاً. أو بالأحرى، تقوم بتلفيق الشرح. هذا إذا فعلت. الأخطر، أن هذا الاختراق العسكري الفجّ، ليس الأول من نوعه. شهدت جبهات وحدود كثيرة مثله وأكبر. فهو يندرج في إطار سياسة التفرّد والعصا، التي اعتمدتها الإدارة الأميركية؛ والتي بلغت ذروتها في الحرب على العراق. الحدود الباكستانية ؟

الأفغانية شهدت، هي الأخرى، ولا تزال عمليات مماثلة. قوات أميركية، خاصة جوية، تقوم بقصف داخل الأراضي الباكستانية، تؤدي إلى سقوط قتلى من المدنيين. اعتراضات إسلام أباد ورفضها لهذه الغارات، بقيت من دون جدوى. تواصلت، من غير مراعاة لاعتبارات السيادة الباكستانية. نفس السياسة تمارسها إسرائيل، بالامتداد وتحت المظلة الأميركية؛ عبر طيرانها الحربي، فوق لبنان وسوريا.

وكأن المنطقة باتت مستباحة، أمام طغيان القوة العسكرية، الأميركية والإسرائيلية. لكنه طغيان فاقم من التأزم وليس العكس. كما أنه ساهم في زيادة تآكل وتهميش دور الأمم المتحدة ووظيفتها؛ كمؤسسة راعية للسلم والأمن الدوليين ولحل النزاعات الدولية، بالطرق السلمية.

دور أصابه المزيد من الضمور والتراجع، بعد قفز واشنطن من فوق مجلس الأمن، لغزو العراق؛ وفي ضوء تعويلها على خيار القوة، بالدرجة الأساس، في تعاطيها مع المشكلات الخارجية. وهذا التهميش أدّى بدوره إلى فتح الطريق أمام آخرين، للرد على التفرد الأميركي بالمثل. دخول الروس إلى جورجيا يندرج، إلى حدّ بعيد، في هذه الخانة.

بصرف النظر عن الدواعي والجدارة، من المنظار الروسي. واشنطن أرست العمل بهذا النموذج. وهي لا تزال تمارسه. أخذ الأمور باليد، يصبّ في تعزيز النزعة الاستباحية؛ المحكومة بالارتداد سلباً على الأمن والسلام، في المنطقة والعالم. وتجربة العراق تؤكد ذلك.

الانتهاك الفاقع للحدود السورية، ينتمي بامتياز، إلى هذا النموذج؛ المرفوض وغير المقبول. مبرراته لا تصمد، مهما كانت، أمام أولوية السيادة ووجوب الالتزام بمقتضيات احترامها. بخلاف ذلك تفلت الأمور كلياً وتحكم شريعة الغاب.

اترك تعليق