الصحراء: الرهان على روس

    0
    125

    لعل الموفد الدولي الى الصحراء كريستوفر روس يطرح سؤالاً محورياً حول ما يتعين عمله لإنقاذ المفاوضات من مخاطر الانهيار الكامل. فقد نجح في معاودة بعض الروح الى خيار المفاوضات الذي لا بديل منه، لكنه لم يفلح في جذب الأطراف المعنية الى اتفاق مبدئي حول مرجعيتها، أهي الحكم الذاتي أم خطة الاستفتاء أم صيغة ثالثة تجمع بين مزايا الاقتراحين معاً.

     

    استطاع روس بحكمة نادرة خفض درجات التوتر الى حد أدنى، من خلال جعل الأطراف تناقش بعضها في الإمكانات المتاحة لتنفيذ هذا الخيار أو ذاك، ولا يعوزه الإدراك ان مجرد الاتفاق على أرضية معينة يعني بداية الطريق في الاتجاه الصحيح، وما دام ذلك مستعصياً الى الآن فلا أقل من الإبقاء على التزامات صريحة حيال استمرار المفاوضات بطرق رسمية أو غير رسمية. فالأهم ليس إطار المفاوضات وإنما جوهرها. ولن يكون في وسع أي طرف ان يتذرع بأنه لا يجد في محاوريه مفاوضاً مسؤولاً. فقد يخلص المجتمع الدولي الى ان جميع الأطراف تفضل التعايش والواقع الراهن على تقديم تنازلات متبادلة، تنعش الآمال في الاقتراب نحو الحل.

     

    من خلال تجنبه طرح الأسئلة الصعبة والمحرجة يسعى روس الى إقناع الأطراف بأن الحل الذي بين ايديهم افضل من أي صيغة أخرى مفروضة بقوة الأشياء. ليس لأن وصفة الحل كما حددتها قرارات مجلس الأمن تتطلب وفاقاً وقبولاً متبادلاً فقط. ولكن لأن هكذا حل من شأنه ان يعزز الإيمان بالتراضي والتفاهم، إذ لا يخسر أي طرف غير استمرار التوتر الذي جلب على المنطقة متاعب ومصاعب.

     

    كلفة اللاحل مرتفعة. فالسباق نحو التسلح يعاود إنتاج ظروف الحرب الباردة، ولن يدفع الى حمل أي من الأطراف على الإذعان لأحلام التفوق العسكري، عدا انه أعاق البناء المغاربي وأرجأه سنوات الى الوراء، في غياب حدوث انفراج في العلاقات المغربية – الجزائرية. يضاف الى ذلك ان ابواب المنطقة فتحت على المجهول القادم عبر رياح ارتدادات ما يحدث في الساحل جنوب الصحراء من تفاعلات سلبية تهدد استقرار الشمال الافريقي برمته.

     

    من كلفته ايضاً تعطيل مشاريع إنمائية وتردي أوضاع انسانية غير مقبولة تحت أي مبررات، في وقت تغيرت فيه نظرة الشركاء الأوروبيين والأميركيين تجاه الحرص على استقرار المنطقة لضمان المصالح المتبادلة.

     

    كل الجدال الدائر حول التزامات احترام حقوق الإنسان ومد يد التعاون الكامل مع جهود الأمم المتحدة لا يخفي حقيقة ان قضية الصحراء في إمكانها في أي لحظة ان تفلت من زمام السيطرة. إذ ينفد الصبر وتتأجج العواطف وتغيب الحكمة. ولا تزيد هذه الطروحات عن كونها بمثابة هروب الى الأمام، طالما ان الموضوع في جوهره يتعلق بالقدرة على تناسي الخلافات وترجيح حلول واقعية وعقلانية لم يتم تجريبها بعد.

     

    من غير الوارد ان يفعل الموفد روس في جولته المرتقبة الى المنطقة أكثر من لعب دور الحكم المقيد بضرورة اتفاق الأطراف كافة، أي انه سينقل المفاوضات عبر محطات القرار من أجل استخلاص فكرة واضحة عما تستطيعه أي جولة قادمة من المفاوضات. وهو منذ تكليفه كان حريصاً على إطلاع مجلس الأمن الدولي على أشواط المفاوضات والتقدم الحاصل في المواقف، بمعنى ان زيارته الثانية يعززها تفويض سياسي ومعنوي يساعده على تكبير مجهر رؤيته للنزاع والحل معاً. وبالتالي فإن مفاوضاته هذه المرة لن تكون امتداداً لسابقاتها، فبعد بضعة أسابيع سيعرض تقريراً جديداً أمام مجلس الامن يرجح ان يكون مختلفاً عن إحاطته السابقة.

     

    لا خيار غير طريق المفاوضات، لكن لا مفاوضات من دون مفاوضين يعرفون ماذا يريدون وما يستطيعون تحقيقه وما يجب صرف النظر عنه نهائياً. إنه الرهان الكبير الذي لن تعوز روس شجاعة الجهر به. فقد قضى مزيداً من الوقت صاغياً، وآن له ان يتكلم الآن، حتى إن رفض البعض سماع صراحته، إذ تكون على قدر اختبار النيات والإرادات، وليس ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك. غير ان صراحة الأطراف مع بعضها ستكون أكثر جدوى.

    "الحياة"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.