مقاربات لأحداث عام انقضى!.

0
788

1- تعثر الجهود الأمريكية لحل أزمة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

تميز العام المنصرم بالتفاؤل الذي أشاعته طروحات الرئيس أوباما، والوعود التي قطعها على نفسه لإيجاد حلول لأزمات الشرق الأوسط.. لكنه انتهى بخيبة أمل لعجز إدارته عن فتح مسار المفاوضات من جديد لتحقيق تسوية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فخيبة الأمل هذه أتت من تراجعها عما طرحته، بعدما جوبهت بالتصلب الإسرائيلي.

 لكن هذا التعثر الذي واجهته تلك الإدارة وفشلها في تذليل العناد الإسرائيلي، لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية بعض الإنجازات التي تحققت هنا وهناك، كظهور مؤشرات لتجاوز الأزمة المالية العالمية، بفضل التدابير التي اتخذتها مجموعة العشرين، التي أضحت الشريك الأساسي للولايات المتحدة، في معالجة الشئون المالية والاقتصادية على مستوى العالم. يضاف إليها تخفيف التوتر مع الاتحاد الروسي، والتقدم الجزئي في معالجة قضايا البيئة.

لعل هذا التعثر آت من سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة المعادية للعرب والممالئة لإسرائيل، على مدى أكثر من ستين عاماً. يضاف إليها احتلال العراق، الذي أسفر عن نتائج مدمرة للمجتمع العراقي وإثارة النزاعات الطائفية والقومية والدينية، وساعد إيران على مد نفوذها الإقليمي. هذه العوامل وسواها سبب رئيسي في تعقد أزمات الشرق الأوسط وتنامي العداء للولايات المتحدة واتساع ساحات التطرف والإرهاب أيضاً.

لم تتمكن الأنظمة العربية، وخصوصاً الرئيسية منها تجاوز صراعاتها وتوحيد مواقفها تجاه مشروع التسوية مع العدو الإسرائيلي. ورغم المساعي المبذولة للمصالحة فيما بينها ومحاولة إنهاء الانقسام الفلسطيني، فما زال الضعف يعتري الصف العربي، الأمر الذي يشجع إسرائيل على التمادي في تطرفها ورفضها للتسويات.

ولا ينبغي أن تغيب عنا أسباب التعثر الرئيسية والآتية من طاقم صهيوني عنصري جاء إلى السلطة مؤخراً، هاجسه الإبقاء على الاحتلال والتوسع الاستيطاني، ومتكئ على رأي عام واسع يمنحه الدعم والتأييد.

*                            *                               *

قاربت الإدارة الأمريكية أزمة المنطقة من زاويتين: الأولى حل الصراع العربي – الإسرائيلي، باعتباره المفتاح لحل معظم أزمات المنطقة. والثانية سحب مصطلح الحرب على الإرهاب من التداول لفتح صفحة جديدة مع العالمين العربي والإسلامي، (خطابا أوباما في استانبول وجامعة القاهرة). فقدمت مبادرة تقوم على "حل الدولتين ووقف الاستيطان".

لكن إسرائيل وضعت شروطاً عديدة تبطل مفاعيلها، كاشتراط أن تبقى الدولة المقبلة منزوعة السلاح، وأن يعترف العرب والفلسطينيون "بيهودية الدولة"، وأن يكون وقف الاستيطان مؤقتاً وجزئياً. أما المؤقت فمدته تسعة أشهر والجزئي حصره في الضفة دون القدس. هذا الأمر جعل الطرف الفلسطيني يصاب بالصدمة تجاه تراجع الإدارة الأمريكية عنها.

والآن بعد جولات تسع للمبعوث الأمريكي، ثلاث منها إلى سوريا، أصبحنا أمام طرح أمريكي جديد قائم على:

أ- استئناف المفاوضات على المسارين الفلسطيني والسوري.

ب- الاتفاق على دولة فلسطينية مؤقتة خلال تسعة أشهر.

ج- إجراء مفاوضات بشأن القدس منفصلة عن الضفة الغربية وغزة مدتها عامان.

د- المواءمة بين مطلب إقامة الدولة على حدود عام 1967، مع تبادل في الأراضي، وبين مطلب يهودية الدولة.

فالقصد بالتبادل إبقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة ضمن الدولة الإسرائيلية، مقابل إعطاء مساحات من أراضيها في النقب إلى الدولة الفلسطينية.

يمكن تلخيص الموقف الإسرائيلي تجاه الورقة الأمريكية الأخيرة حسب تعبير صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين: " نتنياهو فرض شروطاً أخرى على المفاوضات، وأعلن نية إسرائيل مواصلة احتلالها للضفة، وقال لا لتجميد المستوطنات، ولا لتقاسم القدس، ولا لحدود العام 1967، ولا لحقوق اللاجئين. الآن يريد الاحتفاظ بوادي الأردن".

إن مضمون الورقة الأمريكية المشار إليها لا يستند على ما أكدت عليه قرارات الأمم المتحدة. وهذا يعني إبقاء الصراع مع إسرائيل على حاله. وقد ينعكس هذا الوضع سلباً على الأوضاع الفلسطينية وخاصة الرئاسة الفلسطينية. التي تتعرض إلى تجاذبات عربية وإقليمية حادة، سببها غياب السياسة العربية الموحدة الضاغطة، واختراق قوة إقليمية هامة كإيران ، تقوم سياساتها على تأجيج هذا الصراع والاستفادة منه . هذا عدا عن الانقسام الفلسطيني الخطير الذي أنهك الشعب الفلسطيني ، وأضعف قضيته ، واستهلك طاقات سياسية ودبلوماسية كبيرة للوصول إلى مصالحة بين فتح وحماس.

 

 

2ً- مستقبل إيران الغامض:

لا يجادل أحد أن إيران برزت كلاعب إقليمي هام في الشرق الأوسط. وبصفتها دولة متوسطة ذات مخزون نفطي غني، وإمكانات اقتصادية أخرى هامة، إضافة إلى سعيها لدخول النادي النووي الدولي، أضحت محط اهتمام دولي يأتي بالدرجة الثانية من الأهمية بعد إسرائيل. فموقعها الاستراتيجي المطل على الخليج العربي وسعيها الدءوب للعب دور إقليمي مؤثر خصوصاً بعد احتلال العراق شجعها كثيرا في التمدد داخل الجسم العربي، كان آخر مشهد له أحداث اليمن.

أوباما، من جانبه، وجه رسالة حيا فيها الشعب الإيراني وحكومة "جمهورية إيران الإسلامية" بمناسبة عيد النيروز في آذار 2009. واتخذ جملة من التدابير كالكف عن توجيه التهديدات والمشاركة في مفاوضات (5+1)، والدعوة إلى الحوار القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

أ- الوضع الإيراني الداخلي:

أظهرت الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران 2009 وتداعيات فوز أحمدي نجاد، الذي شكك به المرشحون المنافسون، حجم أزمة النظام الداخلية. فتوضحت الاستقطابات على مستوى الشارع الإيراني والنخبة الدينية والسياسية، وحتى العسكرية والأمنية. كما أبرزت الضعف الذي أصاب موقع مرشد الثورة علي خامنئي، والذي أصبح طرفاً في الأزمة بإعلانه فوز نجاد. وتنامي دور الحرس الثوري الذي ظهر واضحاً في تشكيلة حكومته.

موجات الاحتجاج على نتائج الانتخابات ضمت مئات الألوف من قوى اجتماعية كان عمادها الرئيسي الطبقة الوسطى المدينية وطلاب الجامعات. وشاركت فيها قوى وأحزاب مختلفة المشارب من الليبراليين كحركة يزدي، إلى بعض آيات الله البارزين، وبعض قيادات الجيش والحرس الثوري. ووصل الأمر إلى طلب أكثر من ثلاثين ديبلوماسياً اللجوء السياسي احتجاجاً على عمليات القمع. وانتقلت هذه الموجات بمناسبة ذكرى عاشوراء ووفاة آية الله منتظري إلى مدن أخرى خارج طهران.

قابل النظام هذه التحركات بمنتهى القسوة فراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. واستخدم أساليب وحشية في التعذيب والاغتصاب، وأحال وجوهاً بارزة إلى القضاء. ولتشويه المعارضة وجه الاتهامات لها بتلقيها تعليمات ودعماً من الخارج، واعتقل أجانب خلال موجات الاحتجاج. وبسبب إدارة الظهر للمحتجين واستمرار القمع، أخذت هذه المعارضة تبلور نشاطها وتطوره، إلى المطالبة بالحريات وتكوين الأحزاب واستقلال القضاء. ورُفعت شعارات تدعو إلى الاهتمام بالشأن الداخلي، لكن حركة الاحتجاج هذه تفتقد إلى قيادة موحدة وبرنامج سياسي يوجهان حركة الشارع.  

كان التضامن الدولي في البداية مع المعارضة الإيرانية حذراً. فالدول الغربية لا تريد قطع العلاقة مع السلطة الإيرانية، لكن اتساع حركة المعارضة وتنامي القمع الوحشي، جعل الموقف يتبدل، حيث دعا رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ريتشارد هاس إلى دعمها المباشر.

من الصعب عودة الأمور إلى حالها السابق، فالتطورات تشير إلى احتدام الصراع، والحرس الثوري يتصدى بشراسة لإحكام قبضة نجاد بصفته معبراً عن سيطرته العسكرية والاقتصادية، وقد يلجأ إلى التصفية الدموية للمعارضة. لكن رفسنجاني يسعى لتسوية وسط من شأنها الحفاظ على هيبة مرشد الثورة ودفعه لتهدئة الأمور وإجراء بعض الإصلاحات. وهناك من يدعو إلى حكم دستوري شبيه بالملكية الدستورية، قائم على استقلال مؤسسات الجمهورية عن سلطة المرشد.

لقد دللت أحداث إيران الأخيرة على حيوية فائقة للمجتمع المدني الإيراني بحيث يصعب جداً على المتشددين الاستمرار في الحكم دون تقديم تنازلات للمعارضة أو الوصول إلى حلول وسط.

ب- أزمة الملف النووي الإيراني

كان لا بد أن تعكس الأزمة الداخلية تأثيرها على سلوك حكومة نجاد في مقاربتها لأزمتها النووية مع المجتمع الدولي. فبعد أن وافق وفدها في جنيف مطلع شهر تشرين أول الماضي على اقتراح وكالة الطاقة النووية الدولية القاضي باستبدال /1200/ كيلو غرام من اليورانيوم منخفض التخصيب بوقود نووي مرتفع التخصيب بنسبة 19.2 صالح للاستخدام في مفاعل طهران للبحوث الطبية، عن طريق روسيا وفرنسا. وحين عودة وفدها إلى طهران تغير موقفها، وذلك برفض الاقتراح المذكور وتعديله بحيث يتم الاستبدال على دفعات وبشكل متوازن، وعلى الأرض الإيرانية. وفي هذا الصدد وجهت إيران إنذاراً إلى الدول الست (5+1) يعطي مهلة آخر الشهر الفائت لقبول عرضها. وفي المقابل تصر هذه الدول على اقتراح وكالة الطاقة الذرية الدولية وتعتبره غير قابل للتفاوض.

وبصرف النظر عن أسباب هذا التراجع، تشكك إيران بمصداقية الغرب في تعامله مع ملفها النووي، وخاصة فرنسا، فإن موقف المعارضة الذي اتهم نجاد بالتخلي عن حق إيران في تطوير برنامجها النووي معتبراً الموافقة على عرض الوكالة المذكور كتراجع لا يمكن القبول به.

الأمور الآن، تتجه إلى فرض حزمة رادعة من العقوبات عن طريق مجلس الأمن والتي قد تستغرق شهوراً مع احتمال معارضة الصين وتردد الاتحاد الروسي. ويبحث الغرب في العقوبات "الذكية" التي لا تضر بمصالح أغلبية الشعب الإيراني، بل ينحصر تأثيرها ضد الحرس الثوري وأفراد نافذين في السلطة.

أما الحديث عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لمفاعلات إيران فمسألة فيها نظر. وتتلخص بما يلي:

1- الطابع العام الغالب على مثل هكذا تهديد غرضه الأساسي مزيداً من الضغط على إيران، كي تقبل بشروط المجتمع الدولي، بما فيها التهديدات الإسرائيلية، لأن قراراً كهذا لا يمكن لإسرائيل أن تنفرد به بدون ضوء أخضر أمريكي، عدا عن شكوك في قدرة إسرائيل بتوجيه ضربة كهذه.

2- الولايات المتحدة حذرة جداً لاتخاذ مثل هذا القرار لأنها الآن منشغلة في حربين لم تتخلص بعد من وحولهما. يضاف إلى ذلك حرصها الشديد على استمرار تدفق النفط في السوق الدولية ، الذي يتغذى من نفط الخليج بالدرجة الأولى.

3- إذا سدت كل الطرق لثني إيران عن امتلاك قنبلة نووية، فاحتمال توجيه ضربة عسكرية إلى منشآتها النووية، يظل الخيار المر للغرب الذي اتخذ قراراً استراتيجياً بعدم تحول إيران إلى دولة نووية.

لكن إذا فاجأت إيران العالم بامتلاك هذا السلاح فمن المرجح أن تتعقد القضية أكثر ، وتنفتح على خيارات أخرى للحل تتراوح بين احتواء النظام وتغييره .

ج- إيران وأحداث اليمن

الجديد في سياسات إيران التدخلية في الشأن العربي كشف عن دورها لمساعدة الحوثيين في اليمن. هذا يمثل نقلة نوعية في تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، بحيث سبق لها أن تمددت سابقاً في لبنان (حزب الله) وفلسطين (حماس) ووصلت إلى قلب الصراع العربي- الإسرائيلي، بحيث أصبح يهدد أمن المملكة السعودية وباقي بلدان الخليج من ناحية، وأمن باب المندب والقرن الأفريقي من ناحية أخرى. إن هذا التدخل الجديد لا يهدد الأمن العربي فقط، إنما يهدد مصالح المجتمع الدولي نظراً لأهمية الموقع الجيوسياسي لليمن.

هناك أرضية ساعدت إيران على التدخل في هذه الساحة. إنها تتلخص في استغلال التمرد الحوثي على سلطة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي يعود إلى عام 2004، بسبب سياسات التهميش للمناطق التي يعيشون فيها (صعدة)، والتنمية غير المتوازنة، وسياسات الإفقار واحتكار السلطة، ومحاولات نشر الفكر السلفي الوهابي في هذه المناطق، وغياب المشاركة في الحياة السياسية.

 

3- هل ارتاح النظام السوري خلال العام المنصرم؟

لا شك أن النظام السوري شعر بالارتياح المشوب بالحذر والقلق، وربما الحيرة تجاه مواجهة التوجهات الإيجابية الأمريكية الجديدة. وقد دعم الاتحاد الأوروبي وإلى حد ما الاتحاد الروسي تلك التوجهات. فالقلق السوري آت في الحقيقة من عدم وضوح الأثمان التي سيقبضها ويدفعها مقابل الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي. وبمعنى أدق أن الطرفين من خلال الزيارات المتبادلة كأنهما يمران في مرحلة اختبار وسبر النوايا. ورغم مرور عام لم تظهر حتى الآن نتائج ملموسة سوى تعيين سفير جديد لأمريكا. ومع ذلك استغل الإعلام السوري هذا الانفراج لإظهار أن "صمود" سوريا قد أثمر. وهذا دليل على صحة سياساتها تجاه أزمات المنطقة.

وكما هو معروف تسعى السلطة في حوارها مع الإدارة الأمريكية الحصول على ضمانات بعدم الإخلال بكيانها، والاعتراف بدور إقليمي ما لها (العراق لبنان فلسطين)، وكذلك العودة إلى التعاون الثلاثي العربي (سوريا مصر السعودية). يضاف إليها رفع العقوبات الأمريكية والمساعدة على حل مشاكل الوضع الاقتصادي المتردي باضطراد. أما الجانب الآخر فلا يزال يدور حول فكرة المدى الذي يمكن أن يقدم فيه النظام السوري تنازلات إزاء بعض الملفات وخصوصاً العراقي والفلسطيني. ولم يعد مطلوباً منه فك عرى العلاقة مع إيران، وإنما تقليص حجم هذه العلاقة و سلوك سياسة مستقلة عن سياساتها، ولا بأس أن يكون لها دور في بذل مساع حميدة معها.

كما برزت بوضوح خلال هذا العام والذي سبقه أيضاً السعي العربي وخاصة السعودي للانتقال بسوريا من المصالحة إلى التفاهم حول الملف اللبناني وإلى حد ما الملف الفلسطيني وكذلك المصالحة مع مصر. فالغرض الأساسي دفع حماس لتوقيع الورقة المصرية الخاصة بالمصالحة الفلسطينية.

نلحظ هنا شيئاً من التفاهم حول الوضع اللبناني، والانتقال من التهدئة إلى التعاون الحذر بين الطرفين الرئيسيين (تيار المستقبل وحزب الله)، والذي تمخض عنه تشكيل ما سمي بـ (حكومة الوحدة الوطنية) التي خففت الأثر السلبي لفشل المعارضة اللبنانية في الانتخابات النيابية. في ظل هذه الأجواء سجل الجانب السوري رجحاناً في المعادلة السورية اللبنانية، حيث فُرِض "على رئيس الوزراء الحريري زيارة سوريا، كعربون لتحسن العلاقات السورية السعودية. بالطبع فإن هذه التطورات قد تستدعي إحياء المثلث السوري السعودي المصري المتعثر جراء تعقيدات الوضع الفلسطيني والتأثير الإيراني المعرقل لوحدة الصف العربي.

يبدو أن السلطة السورية بسبب ارتباط المصالحة الفلسطينية بالتسوية الشاملة، فإن ورقة حماس تبقى ثمينة بشكل يصعب صرفها خدمة لمصالح "الأمن القومي المصري" فقط. هنا تفضل السلطة مقايضة هذه الورقة خلال مفاوضاتها مع الطرف الأمريكي من أجل توفير مخارج آمنة لها فيما يخص جنوب لبنان "حزب الله"، والجولان، وربما قبض بعض الأثمان، لأن هذه المقايضة قد تشكل بداية الابتعاد عن إيران فيما يخص القضية الفلسطينية.

إن استمرار قلق النظام المكتوم تجاه ندرة التنازلات الأمريكية خلال المفاوضات التي أجراها المسئولون الأمريكان معه، ناشئ عن حجم التنازلات التي سيقدمونها والمنح التي يأملون بها. فلعل ذلك آت أيضاً ليس من المصاعب التي تواجهها الإدارة في الموضوع الفلسطيني فقط، بل تحمل المسألة العراقية أولوية لديها، بسبب سعيها الجاد لإنجاح الانتخابات النيابية القادمة في آذار القادم. فإلى أي مدى سوف تسهم السلطة السورية في توفير الأمن وتسهيل تلك الانتخابات. وفي الوقت نفسه نلحظ ابتعاد الإدارة الأمريكية عن توجيه الاتهامات للسلطة السورية تجاه التفجيرات الدامية التي وقعت أواخر العام المنصرم. وهذا يخالف ما يطرحه رئيس الوزراء العراقي الذي يحمّل السلطة السورية إيواء فلول النظام السابق المتهمين الرئيسيين عن تمويل وتخطيط هذه الأعمال الإرهابية.

 هناك تساؤل أخير عن المصلحة والحكمة في الموقف المتشدد من المخارج المطروحة للوضع العراقي، علماً أن النظام قد يعيد النظر بسياساته تجاه العراق بعد الانسحاب الأمريكي من المدن والانسحاب النهائي نهاية 2010. نعتقد أن هذا الموقف المتشدد تجاه العراق وكذلك تجاه لبنان، رغم تراجعاته "التكتيكية" يعود إلى قلقه من تحول هذين البلدين على المدى المتوسط، وبعد تسويات بين قواهما الرئيسية إلى دولة مستقرة قائمة على نوع من الديمقراطية النسبية أو حسب المصطلح المبتدع "الديمقراطية التوافقية". فإذا ساد الاستقرار وتوطدت الديمقراطية فيهما فلا بد أن يؤثر سلباً عليه. فسوف تُمارَس عليه ضغوط داخلية وإقليمية ودولية لتعديل جوهري في بنيته وسياساته، بما ينسجم مع أوضاع جواره.  

  لقد تنامت العلاقات السورية التركية خلال السنوات الأخيرة بفضل الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل. لكنها توقفت إثر الموقف التضامني مع الفلسطينيين حين شنت إسرائيل عدوانها على غزة. لعل أفضل دليل على توطدها وتعمقها، التوقيع على أكثر من أربعين اتفاقية اقتصادية بين البلدين، وإلغاء تأشيرات الدخول. كذلك ترحب الأطراف العربية بالأدوار التي تقوم بها تركيا على مستوى المنطقة، انطلاقاً من حاجتها إلى مثل هذا الدور الذي يحقق توازناً في مواجهة التمدد الإيراني.

فالأسلوب الذي اعتمده الساسة الأتراك في علاقتهم مع جوارهم، ينطلق من وقوفهم على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة، والذي يعتمد القوة الذكية المتمثلة بالدبلوماسية المرنة وتحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية. كما تأتي هذه السياسة في إطار التوجهات التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية الحاكم، لتصفية الخلافات مع الجيران، وخاصة أرمينيا، واليونان فيما يتعلق بالمسألة القبرصية. كما تلاقي تشجيعاً من الإدارة الأمريكية، لأنها تخفف عنها عبء العديد من المهمات التي هي من صلب الدور الأمريكي في المنطقة.

ورغم كل هذه الجوانب الإيجابية، نلحظ بعض القلق لدى الكثير من المراقبين الذين يبدون خشيتهم من حلول تركيا محل الطرف العربي الغائب عن تسويات المنطقة والتي قد تفرز حلولاً  لا تستفيد منها سوى القوى الأساسية (إسرائيل إيران تركيا)، على حساب المصالح العربية. هؤلاء يصرون على ضرورة إعادة الروح إلى النظام العربي كي يأخذ دوره كطرف أساسي رابع.

أما سياسات النظام تجاه الداخل السوري فما زالت على حالها منذ سنوات طويلة. إنها تقوم على التفرد والتسلط واحتكار السلطة وحصرها في حلقة ضيقة من أصحاب القرار. فالمجتمع السوري مازال مبعداً عن الشأن السياسي العام وعن المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس المصالح العليا للبلاد. كذلك هي حال قواه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحية التي تعاني من التضييق والاضطهاد، فلا ينجو منهما إلا الصامتون والمذعنون.

ما يهمنا هنا، الوقوف عند تطورات العام المنصرم، الذي تميز بالانفراج والارتياح النسبيين، لكن المشوبان بالقلق مخافة فشل الحوار السوري الأمريكي كما أشرنا، والذي قد ينعكس سلباً على السلطة. فتحسباً لمثل هذا الاحتمال ورغبة في إجراء مفاوضات من موقع قوي، جهدت السلطة لإعطاء انطباع لدى الفرقاء الدوليين بأنها القوة الوحيدة المسيطرة على كل جوانب الحياة السورية وعناصر القوة الداخلية والنابعة من دعم الشعب لسياساتها، إضافة إلى دورها الإقليمي المؤثر. وليس خافياً على أحد ما يروجه دعاة النظام لدى تلك الأوساط بأنها أمام أحد خيارين: إما نحن وإما الأصولية الإسلامية.  

وسعياً لتقوية مواقعها الداخلية، ومنعاً لأحداث وتطورات داخلية مزعجة، ناشئة من سوء الأوضاع الاقتصادية والتذمر الاجتماعي الواسع جراء القرارات الإدارية غير المدروسة، مارست خلال هذا العام تهميشاً وتجاهلاً لدور حزبها وحلفائها في "الجبهة الوطنية التقدمية". وأبعدت أيضاً كل من يتجرأ على نقد سياساتها.

لكن المعارضة السورية على مختلف ألوانها ومشاربها وخاصة أنصار إعلان دمشق نالت القسط الأكبر من الضغوط الأمنية المختلفة والاعتقال والإحالة إلى المحاكم. كما راح ضحيتها العديد من ناشطي حقوق الإنسان، كالمحاميين هيثم المالح ومهند الحسني والسيد خلف الجربوع. أما حزب العمل الشيوعي والأحزاب الكردية فقد تعرضت لاعتقال العديد من قادتها وأنصارها كالحزب الديمقراطي الكردي "البارتي" وحزب آزادي وحزب يكيتي وتيار المستقبل وحزب الـ PKK  ، يضاف إليهم أعضاء الفرقة الفنية الكردية في المالكية. أما التيارات الإسلامية فقد طالت عشرات من المواطنين والعديد من الشخصيات في دير الزور ودمشق خاصة.

هناك تساؤلات عما ستسفر عنه التحركات العربية والإقليمية والدولية في ظل عجز الإدارة الأمريكية عن إيجاد تسويات بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب، وعن مآل العلاقات بين الغرب وإيران فيما يخص الأزمة النووية. لقد مر عام من الانتظار فلم نقبض منه سوى الريح. فهل نشهد عودة إلى حالنا السابقة التي امتازت بالتوتر والتفجر والصراعات الدموية أم أن علينا أن ننتظر عاماً آخر، يتمكن من خلاله ميتشيل وفريقه بما يمتازان به من روية وقدرة على طرح الحلول وتقليبها من زوايا أخرى. فالخوف الأساسي آت من فشل المجتمع الدولي في دفع مسارات التسوية للصراع العربي الإسرائيلي إلى الأمام ، وإطالة فترة الانتظار والترقب الحالية ، بحيث تستنقع القضايا وتتفاقم ، وتمهد الطريق لعودة التوتر والتفجرات المختلفة الأشكال ، مما يشكل أرضاً خصبة لنشاط لإسرائيل ونجاد إيران ومنظمات التطرف والإرهاب . 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.