هوامش للكتابة – تغريبة المقموعين

    0
    140

    أعرف نعمات البحيري معرفة حميمة بدأت عندما قرأت لها رواية «أشجار قليلة عند المنحنى» التي أصدرتها دار الهلال القاهرية في آخر نهاية سنة 2000، ومن يومها وأنا آخذ ما تكتبه مأخذ الجد، ولم أتردد في مساعدتها، وجعلها تحصل على منحة تفرغ للكتابة أكثر من عام، وتابعت بقلب حزين مرضها، ولا أزال أذكر لقاءها، قبل أن تذهب إلى باريس، وخاطبت كل الذين أعرفهم من الذين قدموا لها كل ما يستطيعون عمله وعادت من باريس، ورأيتها أكثر من مرة بعد ذلك، ولم تكن تنسى أن تهديني أعمالها التي كانت ترى فيها وسيلة مقاومة للسرطان الشرس الذي ظل ينهش جسدها. وكانت تذكرني في مقاومتها الضارية للمرض بالعزيز أمل دنقل الذي ظل ينتزع الحياة من براثن الموت، ويقاوم المرض اللعين في المستشفى نفسه الذي قاومت فيه نعمات، محاطة بصديقات وأصدقاء أحببتهم أكثر بسبب حبهم لها وحدبهم عليها ولم أقل لأحد منهم ذلك، حتى بعد أن انتصر عليها المرض اللعين وأخذها منا، بعد أن ظلت بيننا، إمكاناً إبداعياً رائعاً لم يتحقق، ولم يمنحنا ما كنا ننتظره منها، ونأمله فيها، ونشجعها عليه إلى أن رحلت ولا أظن أنني عرفت بين بنات جيلها، ولا حتى الأجيال السابقة عليها، أو حتى اللاحقة لها، هذا الإصرار العنيد على التحقق والاكتمال، وهذه الصلابة المذهلة في مقاومة شروط الضرورة التي نعرفها جميعاً، وعانينا منها مثلما عانت الفقر والجهل اللذان يلتفان كالأفعوان على حلم الكتابة الباكر، فيكاد يخنق الحلم، أو يخنقه بالفعل، كما حدث في حالات كثيرة، ولكن نعمات صنعت معجزتها الخاصة، قاومت الفقر، وإلحاح أبيها الجامد على أن تتوقف عن التعليم فتنهي مرحلتها الثانوية ولا تدع الجهل يحقق انتصاراً عليها، وإنما تتحداه وتكمل تعليمها الجامعي في كلية التجارة، وتتخرج لتعمل في إحدى المصالح الحكومية وتواصل رحلة الكتابة وعذابها الجميل الذي كان أملاً بعد يأس، وانتصاراً بعد محاولات كثيرة من قمع الأسرة والمجتمع ووطأة الشروط الاجتماعية الخانقة ويتفتح القلب الذي أغوته الكتابة، لكنه يختار لنفسه طريقاً مأسوياً، كما لو كان قد كُتب عليه مصيره كالقدر الذي يلازم نهايات أبطال التراجيديا اليونانية، وتقع في حب شاعر عراقي واعد، ولا تتردد في الزواج به، على رغم معارضة الأهل الذين عارضوا تعليمها من قبل، وحاولوا فرض زوج عليها لم تطقه، وذهبت إلى العراق مع زوجها الذي أحبته، ولم تنس حبه قط وكانت العراق، وقت سفرها إليها، تخوض الحرب العبثية التي قاد إليها جنون صدام حسين أقصد الحرب العراقية – الإيرانية التي امتدت سنوات طويلة.

    وكان من قدر نعمات أن تعيش تحت وطأة هذه الحرب من ناحية، وقمع سياسات صدام الذي كان يبطش بمعارضيه من ناحية ثانية وتكتمل المأساة عندما تكتشف أن زوجها من المعارضين المحكوم عليهم بالنبذ والحرمان من العمل والمطاردة الدائمة التي تجعل المطارد الضحية يعيش في عالم من الرعب الدائم من كل شىء، فيقيم وزوجه في أطراف بغداد، ويفرض عليها عزلة يتوهم أنها لازمة لحمايتها وحمايته، لكنه سرعان ما ينشغل عنها بهواجس رعبه الذي لا يفارقه، ولا يفر منه إلا بالخمر مع بعض الأصدقاء القليلين جداً، من المقدور عليهم الرعب نفسه وفي المدار المغلق نفسه من جحيم الحرب، تعيش نعمات، لا يفارقها الرعب في ظلمة الليل التي تلف كل شيء، مطلقة سراح الكوابيس التي تنطلق في أعماق الروح، كأنها أصداء الصواريخ التي كانت تمطرها إيران على سماوات بغداد، ومنها هذا الحي النائي الواقع على أطراف بغداد، حيث يتمدد كالأفعوان ليل الزوجة التي تعاني الخوف من الموت في كل ليلة، لا يلتمع فيها سوى صوت الصواريخ التي أصبحت كأنها دقات الموت الذي يهاجم فراش الزوجية، في شهر العسل الذي لم يكن لاسمه معنى في ذلك الجحيم.

    ولا تجد نعمات لها شبيهاً في المدار المغلق الذي سجنها الزوج فيه، ولا صدراً حنوناً سوى أمثالها من المصريين الذين دفعت بهم قسوة الأحوال الاقتصادية إلى الهجرة إلى العراق، خصوصاً بعد أن أغوتهم الوعود البراقة، فذهبوا ليجدوا أنهم قد فروا من الرمضاء إلى النار، ومن جحيم إلى جحيم أفظع، لكنهم تعلموا صبر المقموعين الذين دفعتهم قسوة زمنهم إلى تغريبة المقموعين الذين استبدلوا ظلماً بظلم، وكابوساً بحلم، فخسروا كل شيء، ولم يعد أمام الكثيرين منهم، سوى العودة الخائبة إلى الأرض التي طردتهم، والتي خرجوا من صلبها، وتعذبوا من أجلها وكانت نعمات واحدة من هؤلاء، لم تجد عملاً بسبب زوجها غير المرضى عنه من السلطات التي نظرت إليها في اتهام، ظل معلقاً كالمقصلة التي تنتظر السقوط، لتفصل الرأس عن الجسد وتمضي أسعد لحظاتها المسروقة بين بني وطنها المعذبين المقموعين مثلها، لا فارق بينها وبينهم سوى أنهم يقبلون العمل في أي عمل، يسد أفواههم الجائعة، حالمين مع ذلك كله بعودة مظفّرة ولكن لا أمل يلوح، ولا ضوء يبزغ في الظلمة.

    ولنا أن نتخيل حياة بطلة مغتربة في بلاد قامعة مقموعة، يطاردها الموت الذي كان يمكن أن يهبط كالجحيم من السماء في الليل، وصور الموتى الشهداء الذين تراهم يملأون الطرقات وعلى نوافذ البيوت والأبواب في النهار، وبين هذا وذاك زوج مهوّس برعب يأتي ولا يأتي، يراه مقبلاً نحوه من أبواب الموت التي تغدو أبواباً للحياة التي لم يعد بينها والموت فارق كبير والزوجة الذي ذهب عن لسانها طعم العسل لا تملك سوى الصمت المر، والانتظار الذي يزيده رعباً اكتشاف مسدس أخفاه الزوج، بعيداً من أعينها حتى لا تراه وماذا يبقى لها بعد ذلك في عالم يصبح أضيق من ثقب الأبرة، تحتمله هو وزوج يهرب إلى الخمر من الحياة القامعة، ومن أنظار الزوجة المقموعة وتنتهي تراجيديا المقموعين القامعين بأن تستدعي قوات الأمن الزوجة المصرية والزوج العراقي، وينفصل الزوجان اللذان يمر كل منهما بدهاليز تستعيد مشاهد رواية من روايات كافكا المخيفة، وتخضع الزوجة لاستجواب في غرفات تتصدرها صورة السيد الرئيس التي تطل من كل مكان، كأنها أعين لا تكف عن الحصار أو المراقبة وتخرج الزوجة المرعوبة في النهاية، بصحبة حارس ضخم، جهم الوجه، يرتدي الزي العسكري، ويحمل المدفع الرشاش، وتصدر عن حذائه أصوات كالأنات ويعبر بالزوجة ممرات وممرات، تحيط بها العتمة من كل جانب، وهي تتساند على الجدران الحلزونية المقوسة، تفادياً للسقوط وتحلم بأن تنتهي الممرات، وترى زوجها، وتتعب من الحرص والتروي، داخل الممرات الحلزونية الضيقة، والعتمة تتزايد في تدرجها المقيت، وتبحث الزوجة عن ضوء قد يلوح في آخر الممرات، ولكن الممرات لا تنتهي، والعتمة تأخذها إلى أخرى وتنادي زوجها الذي لا يرد، ولا أحد يرد، وتصرخ ولكن ما من أحد وتنتهي الرواية التي هي تغريبة للمقموعين بحق ولا يبقى للزوجة، في النهاية، سوى الهرب من كل شىء والعودة إلى وطنها.

    وليست أشجان مصري بطلة الرواية سوى نعمات البحيري التي أنضجت وعيها الأدبي تجربة تغريبة المقموعين التي عاشتها، ودفعتها إلى أن تكتب واحدة من أقسى روايات السيرة الذاتية التي تغدو كاتبتها بطلتها، تحت اسم مستعار، مثل زوجها عائد الذي يعود معها إلى الجحيم الذي فرّ منه إليه وفيما عدا ذلك فالرواية سيرة ذاتية سردية، ينبع تميزها من صدقها الجارح، ومن عمق المأساة التي يغوص فيها السرد إلى قرارة القرار، لكن مع قدرة فنية عالية تجعل من الفردي جمعاً، ومن الخاص عاماً، ومن ثم تتحول مأساة أشجان، أو نعمات بلا فارق، إلى محرقة رمزية اكتوى بنارها الكثير من النماذج الروائية السابقة واللاحقة التي عانت محنة تغريبة المقموعين، ولكنها في هذه الرواية، تكتسب خصوصية وتفرداً، فالمقموع يتصور الخلاص، واهماً، على يدي مقموع مثله، كالأعمى الذي يترك قياده لأعمى غيره، فيسير كلاهما إلى قدرهما المأسوي المحكوم عليهما به منذ البداية، كأننا في نوع من البناء الذي يشبه، مع بعض الاحتراس، البناء الدائري للتراجيديا الإغريقية التي نعرف فيها قدر الأبطال، الأمر الذي يجعل من التراجيديا أشبه بالدائرة التي تبدأ من نقطة ابتداء، لا تتباعد عنها إلا لتعود إليها.

    ولذلك تبدأ رواية نعمات البحيري بمفتتح منسوب إلى «أشجان مصري» – بطلة الرواية التي أصبحت قناعاً سردياً للكاتبة المعلنة والمضمرة على السواء وتقول أشجان لنا، نحن القراء، أن ما كتبته محاولة لفهم حياة عاشتها، كي تدرك لماذا حدث ما حدث، ولماذا كانت المرأة التي كانت، ولماذا كان الرجل هو ذلك الرجل الذي كان وتبدأ الرواية، بعد المفتتح، في المطار، بعد رحلة هروب ناجحة، وقلب مطوي على بعض الثقوب وكثير من المرارة ولفيف من أشباح الحزن وتهاويم الذكرى الحمقاء، ونعبر معها إسفلت الطريق إلى المطار، الطريق نفسه الذي عبرته أول يوم لدخولها المدينة، مرتدية الفستان الأبيض، تملأ وجهها بسمة الفرحة، ولا تنتبه كثيراً إلى إجراءات الحدود الصارمة بين بلدين، فالبلد الذي جاءت منه دفعها إلى أحضان زوج ليس من بلدها، وشوقه إليها لا يقل عنها، ولكن البلد ما زال في حالة حرب، وتأخذهما سيارات فارهة، كأنها موكب فرح غير معلن يلف مدينة حزينة، وتبدأ المحنة التي كان لا بد من أن تنتهي بالزوجة هاربة على الطريق الذي جاءت منه، ولا تشعر بالأمان من الذكريات التي أحاطت بها مثل أرواح شريرة مطاردة، إلا بعد أن ترى حشداً من الحرفيين المصريين، معظمهم من الفلاحين والصعايدة، تندس بينهم كي تشعر بالأمان والطمأنينة.

    وفي الطائرة التي أحاطت بها كجناحي طائر رحيم، تشعر بالهدوء، وتنسى الرعب، وتغمرها سكينة تشعرها بالقدرة على استرجاع كل ما مضى، ويرجع الزمن السردي إلى الوراء، مستمراً في الرجوع، كي نرى مع أشجان كل شيء منذ البداية إلى النهاية ونعود إلى نقطة الابتداء في القاهرة، ثم في أطراف بغداد، حيث البيت المعلق من رقبته بين أسنان وحش الحرب والحر، وتتتابع المشاهد لنرى أشجان المتوحدة، تندفع نجواها في توحدها، قائلة انطفئي أيتها البلهاء التي تقترب من ثلاثينها، أيتها المغتربة من أجل الحب… أي حب؟ كان هنا القليل منه ونفد، تبدل الحب بأوهام وأحلام تتحقق بعد انتهاء الحرب، وليس عند المنحنى سوى أشجار عارية من أوراقها. في طريقي الحار نحو المجهول وتتداعى الأحداث وتتغير الشخصيات، لكن يبقى إيقاع الرعب على حاله، خصوصاً في أوساط المثقفين الذين يعرفهم الزوج العائد إلى جحيمهم الذي هو جحيمه، حيث لا أمل بالعمل إلا لأبناء الحزب، أو المنافقين لقياداته.

    ولا ضير في أن تسمع أشجان بأذنيها: «المصرية هنا إما راقصة أو عاهرة». وأكاذيب عائد لا تنتهي، مثل أقواله التي ترفع شعارات العدل والحرية والإنسان بينما صاحبها يمارس على زوجه أعتى سبل القمع والتخويف والإرهاب، وهو يوقن أنه ليس أمامها سوى الإذعان، فهي غريبة في مدينته، وليس لها من أصدقاء أو أصحاب، ولا عمل تبدد به طاقة هائلة من الملل والفراغ وكمّاً هائلاً من الأسئلة، وليس من سبيل للخروج من مدار البيت المغلق، المتوحد إلى جانب أشجار قليلة عند المنحنى، سوى الدوران حوله، كما يدور المحكوم عليهم في ساحة سجن أبدي. ولم يعد هناك من شيء سوى الغربة، حتى والزوج إلى جوار الزوجة التي أصبحت المسافات تفصل بينها وبينه (…).

    وتكتب نعمات أعمالاً إبداعية متناثرة، بعد أن خلعت قناع أشجان، وعادت إلى وطنها، وتستعين على نسيان حبيبها بالكتابة التي حققت لها من حسن الاستقبال ما جعلها تمضي في مقاومة الحياة بقصصها التي لفتت إليها الأنظار بجسارتها وصراحتها ولكن كان السرطان يكمن كالوحش الخرافي في منحنى آخر، من منحنيات حياتها العاصفة، بعد أشجار قليلة عارية من الأغصان والثمار، فتنتقل نعمات إلى مصارعة قمع القدر هذه المرة بعناد وصبر، تعلمتهما من حياتها التي لم تعرف الراحة ولا الفرحة المكتملة بالإنجاز الأدبي، وتلجأ إلى ما فعله مبدعون سبقوها إلى مواجهة وحش المرض اللعين، فحاولوا ترويضه وانتزاع حياة أطول من براثنه بالكتابة الخلاقة التي تحلم بالانتصار على الموت، وتكتب نعمات «يوميات امرأة مشعة» عن رحلة عذابها مع العلاج الكيماوي، وعن حياتها بعد انتهاء العلاج بلا فائدة، وحيدة، متوحدة، في سكن صغير في أطراف القاهرة، في مدينة أكتوبر، ونيسها القطط التي ظلت وفية لها، وجهاز الكومبيوتر الذي أصبح نافذتها على العالم الذي لم يتوقف عن الضيق والاستغراق في العتمة التي سرعان ما انقلبت إلى ظلام النهاية التي فقدنا فيها نعمات البحيري صديقتي التي أخرسني فقدها، فلم أستطع الكتابة عنها إلا بعد أن أبعدت حضورها عن ذاكرتي كي أراها، فأفهم، مثل أشجان مصري، مأساة حياتها التي هي حياتنا التي تدفع بعضنا إلى تغريبة المقموعين بالغربة القاسية أو بالموت اللعين، ولا فارق كبيراً بينهما، فالنهايات واحدة، والبدايات متشابهة، في عالمنا المملوء فساداً وقسوة وعنفاً.

    "الحياة"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.