النهوض الديني والإسلام السياسي في الوطن العربي

0
59

أبدأ هذه المداخلة بالقول إنني لا أرى رابطاً بين الإخفاق الحداثي، وصعود موجات التدين في العالم العربي. بل إنني أرى أن الحكم على العالم العربي بالإخفاق في بلوغ الحداثة، لا يجوز أن يؤخذ باعتباره مسلمة تترتب عليها نتائج مثل الحكم الديكتاتوري مثلاً أو صعود موجات التدين. وفي كل الأحوال، ولأني لا أرى الأمرين باعتبارهما مسلّمتين، فإنني سأكتفي بالتنبيه الى هذا الأمر من خلال مقولتين، أو أطروحتين، ثم انصرف لمعالجة الظاهرة الإسلامية في الأزمنة الحديثة والمعاصرة:
أولاً: الحداثة والإخفاق الحداثي: ليس هناك تعريف محدد للحداثة يمكن اتخاذه مقياساً تقاس به التطورات في العالم العربي. لكن هناك من قال إنها حالة اقتصادية ومؤسسية وثقافية تعني التلاؤم مع الأوضاع السائدة في العالم. والواقع أن هذا التلاؤم لا خيار فيه، فالعالم مثل الأواني المستطرقة، وإمكانيات الانعزال والبقاء على حالة سابقة (توصف بالتخلف أو بالرجعية ـ والتخلف مفهوم اقتصادي، والرجعية مفهوم ثقافي) ضئيلة جداً أو لا تكاد تذكر. بيد أن الذي لفت انتباه حداثيين غربيين وعرب منذ الخمسينات من القرن الماضي، أن الذي يجري في العالم العربي هو تحديث ظاهر وليس حداثة شاملة وعميقة، استناداً الى الهشاشة التي لاحظها هؤلاء في الظواهر الحداثية لدى العرب. ورغم عدم الاتفاق على روائز معينة لظاهرة الحداثة أو عدمها خارج أوروبا وأميركا، فإنه يمكن اجمالها بما يلي:
أ ـ حداثة المجتمع أو عدم حداثته، من حيث علاقات القوة السائدة، وطبائع الأسرة، ومواقع المرأة وأدوارها، وما ينتشر في المجتمع من أعراف في التفكير والتعامل.
ب ـ قيام المجتمع الصناعي أو عدم قيامه. وهكذا تكون اليابان دولة حديثة، ولا تكون إيران أو باكستان كذلك.
ج ـ طبيعة نظام الحكم السائد أو القائم، وطبيعة مؤسسات السلطة، مثل وجود حكومة مسؤولة، ووجود الرقابة على أعمالها، ووجود حكم القانون، والنظام القضائي المستقل، وأخيراً الديموقراطية.
بعد هذه العجالة في المعالم العامة للمجتمعات الحديثة، ومدى حضور أو غياب تلك المعالم في العالم العربي أو أجزاء منه، نرى أنه حتى إن استقامت تلك المقاييس أو انطبقت كلياً أو جزئياً، فإنها ليست خاصة بالعالم العربي، ولا حتى بمجتمعات آسيا وإفريقيا. والواقع أن هذا النقاش خفت حتى أواسط التسعينات من القرن الماضي، حتى أثارته من جديد التيارات اليمينية في العالم الغربي تحت عنوان غياب الديموقراطية في المجال العربي، وأحياناً العربي والإسلامي. ثم أعطته دفعاً قوياً من جديد تقارير التنمية العربية الأربعة، والتي ألقت بالمسؤولية في التخلف العربي الظاهر عن ركب الحداثة العالمية على عاتق الأنظمة السياسية العربية التي سادها العسكريون طوال أربعة عقود في بلدان عربية رئيسية.
ثانيا: الترابط القائم أو المحتمل بين الإخفاق الحداثي وصعود الظاهرة الدينية. وإذا كانت مسألة الحداثة مشكلة من حيث الحكم على وجودها أو عدمه في العالم العربي، فالذي لا شك فيه أنه لا علاقة بين الحداثة وجوداً أو عدماً وبين التمسك بالدين أو عدم التمسك به، وبين صيرورة الظاهرة الدينية الى تولّي أدوار اقتصادية وسياسية وثقافية. فهناك صعود ديني كبير (ظاهرة الانجيليين الجدد) في المجتمع الأميركي، وهو مجتمع لا يشك أحد من التحديثيين العرب أو الغربيين أنه مجتمع حديث. وهناك لا مبالاة دينية كبيرة وظاهرة في أوروبا الغربية التي ظهرت الحداثة فيها. ويعرف الكثيرون من الدارسين الاجتماعيين والاقتصاديين نظرية أو فرضية ماكس فيبر (1920) السوسيولوجي الألماني الكبير، والذي رأى وجود علاقة قوية بين الصعود البروتستانتي والصعود الحداثي الرأسمالي. وكنت قد تأثرت في البدايات بالرؤى الحداثية الاستشراقية والتي ركزت على ثنائية الحداثة/ التقليد، باعتبارهما أمرين متضادين. ثم تنبهت من خلال مقولة إرنست غلنر (في كتابه: مجتمع مسلم) الى احتمال أن تكون الأصولية الإسلامية إحدى ظواهر أو نتائج الحداثة في العالمين العربي والإسلامي.
بعد هذا التقديم المنهجي أود أن أركز على مسألة الصعود الديني في الوطن العربي في خمس مقولات:
أولاً: في مطلع القرن العشرين المنصرم كان هناك تياران قد تبلورا أو هما قيد التبلور، وبين النخب وليس بين العامة: التيار الإصلاحي والتيار السلفي، وكلاهما في مواجهة التقليد الإسلامي، أي تقليد المذاهب الأربعة، والعقيدة الأشعرية، والتصوف. وهذان التياران لا علاقة لأحدهما بالآخر إلا في مواجهة العدو الواحد: التقليد الإسلامي. أما الأطروحة الإصلاحية فتقول بأمرين رئيسيين: فتح باب الاجتهاد والتلاؤم مع الحداثة الغربية. وأدلة الإصلاحيين على الاجتهاد كلاسيكية، لكن أدلتهم على شرعنة اللجوء للحداثة الأوروبية، تستند الى "مقاصد الشريعة" التي اكتشفوها في كتاب الشاطبي: "الموافقات" الذي يقول بها. وأما السلفيون فيستندون الى مقولتين أو مبدأين أيضاً: فتح باب الاجتهاد، والعودة في كل شيء ـ ومن خلال الاجتهاد ـ الى نصوص الكتاب والسنة والتصحيح وليس للتجديد. وما اكتشف التياران اختلافهما إلا في العشرينات من القرن العشرين، حين أيد الإصلاحيون إنشاء المؤسسات السياسية الحديثة على أثر سقوط الخلافة ودولة بني عثمان، في حين تحول السلفيون بالتدريج الى تيار محافظ يهتم بدقائق الحياة الدينية، ويترك الشأن العام لولي الأمر.
ثانياً: بزوغ ما أسميه بالإحياء الإسلامي ـ وهو تيار نخبوي وشعبي في الوقت نفسه، وهدفه صَون الهوية الإسلامية للمجتمع والدولة، ولذلك كانت له ثلاث أولويات: مكافحة التحديث والتغريب، ومكافحة الميول الحداثية للإصلاحيين، واصطناع نموذج للحياة الإسلامية الصالحة في شتى المجالات. الإصلاحيون يتبنون أكثر مظاهر الحداثة. والسلفيون يتجاهلونها بالكامل، ويركزون على إزالة البدع من المجتمع والحياة الدينية. أما الإحيائيون فيتعلمون ما أتى من الغرب، ويصطنعون منهجاً لمكافحته، ويعملون في المجتمع من أجل كسب الأنصار لمشروعهم. وأهم مظاهر حركتهم إنشاء الأحزاب والحركات مثل الاخوان المسلمين بمصر، والجماعة الإسلامية بباكستان. ولأنهم يهتمون بالحياة العامة، فإنهم سرعان ما كسبوا جمهوراً، كما أنهم سرعان ما اصطدموا بالأحزاب السياسية في بلدانهم من جهة، وبالدولة والنظام السياسي من جهة ثانية. الشيخ حسن البنّا قال إن الإسلام دين ودنيا، ومصحف وسيف، وأبو الأعلى المودودي انصرف لكتابة دستور للدولة الإسلامية التي يُراد إقامتها. وفي خضمّ الصراع على المجتمع والدولة بين الإحيائيين الإسلاميين والقوى الأخرى في المجتمعات، ومن ضمنها الأنظمة العسكرية التي بدأت تسيطر، تبلورت الأطروحتان: أطروحة النظام الشامل، وأطروحة الحاكمية. المقصود بالإسلام الشامل أن الدين الإسلامي يملك حلولاً لكل المشكلات، ولذا فقد انصرفوا للتأليف في المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومكافحة التغريب. ويومها شاعت فكرة الطريق الثالث في أوساطهم، أي طريق الإسلام، في مبعدَة عن الرأسمالية والماركسية. أما الأطروحة الأخرى: الحاكمية، فتعني إقامة حكم الله في الأرض، أو الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة. ويترتب على الاستيلاء على السلطة استعادة الإسلام الى الدولة فالمجتمع، ثم الانطلاق لاستعادة التوازن على مستوى العالم لصالح الإسلام.
ثالثاً: أدت الاصطفافات في الحرب الباردة بين الستينات والثمانينات، الى اشتداد الصراع بين الإسلاميين والأنظمة القائمة في بلدان العالمين العربي والإسلامي. وحقق الإسلاميون اختراقات عدة كان أبرزها انتصار الثوة الإسلامية في إيران بخليط من فكر الصحوة الإحيائي، وقوة المؤسسة الدينية الشيعية. والاختراق الآخر المهم: صعود شعبية الإسلام السياسي. هذا، واقتران ذلك بالعجز عن الوصول للسلطة في بلد سنّي مهم، بسبب ثبات قدم العسكريين في السلطة في أكثر ديار العالم الإسلامي. ولذا فقد حدثت انشقاقات في الحركات الأصولية الاحيائية وظهر التيار الجهادي، الذي قتل الرئيس السادات، ومضى بعدها للقتال في أفغانستان بإشراف الولايات المتحدة. ووصل النزوع الجهادي أيضاً الى السلفية، إذ تمردت أجزاء منها، فظهر في التسعينات تحالف السلفية/ الجهادية بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. في حين ظل الأصوليون الإحيائيون في تيارهم الرئيسي يسعون للوصول الى السلطة بطرائق غير عنيفة، وأنجزوا تنازلات لصالح المشاركة في الانتخابات، والاستمرار في إنكار العنف بالداخل.
رابعاً: في العالم السني اليوم ثلاثة تيارات دينية رئيسية: الأصولية الإحيائية والتي خرج من عباءتها الإسلام السياسي، في مصر والباكستان، ثم انتشر في بقية أنحاء العالمين العربي والإسلامي ـ والسلفية، والتي ما تزال تشهد امتدادات على حساب الإسلام التقليدي، وتتمازج أحياناً مع الأصولية ـ والإحياء الصوفي، والذي شهد في العقود الثلاثة الأخيرة نهوضاً كبيراً ليس على حساب السلفية والأصولية، بل بين العامة، والفئات الثرية الجديدة. والجذاب في الصوفية ذلك الطابع العجائبي المسالم. وهذا التيارات الرئيسية لا تستنفد الظاهرة الصحوية، بل هناك جمهور كبير بين النساء والشباب بشكل عام، والذي يستقطبه دعاة الإسلام في وسائل الإعلام المرئية. وفي حين لا تبرز شخصيات متفردة لدى الأصوليين والسلفيين، تصعد ظاهرة الشخصيات المتفردة أو القائدة لدى كل من الصوفية والجهاديين ودعاة القنوات الفضائية. وهذه الظواهر المتقلبة ما استنفدت صيغها بعدُ، لكنها قد تعني في المدى المتوسط تراجع الظواهر الحزبية والتي سادت طوال العقود الماضية. والملاحظ أيضاً أن الظاهرة الجهادية تميل للثبات دونما مزيد من الاستقطاب والثوران. لكن ذلك الهدوء أو الثبات لا يعني زوال الظاهرة أو ضعفها. ويمكن هنا التركيز على ثلاث ملاحظات:
أ ـ ما يزال الصعود الديني مستمراً وهو يستقطب المزيد من الشباب، وتؤدي المرأة دوراً معتبراً في سائر التيارات باستثناء التيار السلفي. وقد لاحظت علاقة لاقتران الصعود بالعنف أو عدمه من خلال وضع المؤسسة الدينية التقليدية في البلد المعين، لكن لم ألحظ علاقة لذلك بتقدم التحديث أو تراجعه.
ب ـ ما يزال الغرب (باعتباره ممثلاً للحداثة والعولمة) في قلب اهتمام الأصولية الإحيائية والسلفية، وتحظى المعارضة بنفس القدر من الاهتمام. بينما لا يركز الصوفية على الجانب العام، لكنهم يقيمون عوالمهم الخاصة، التي تحظى باستحسان الأنظمة وبعض الباحثين الغربيين.
ج ـ هناك صراع مستمر على روح الإسلام السني، إسلام الأكثرية، أو بتعبير آخر من يقبض على مرجعيته. لكن الفرق الثلاث بلغت ذروة استقطابها، ولا يبدو أنها تفتح خيارات أو أفقاً مستقبلياً. ويبقى السؤال: ماذا بعد أن تحطم الإسلام السني التقليدي (إسلام المذاهب)، وتحطمت الأشعرية العقدية؟ وما هي مصائر المؤسسة الدينية التقليدية، التي ما بقي لها سند غير الأنظمة؟
خامساً: هناك صعود ديني أيضاً لدى سائر التيارات الشيعية، وبخاصة الإمامية والاسماعيلية. لكن الإمامية تبدو الأكثر انتظاماً في ثورانها، لاستيلاء نظام ولاية الفقيه على المرجعية فيها. وقد استقطبت دينياً وسياسياً سائر الطوائف الشيعية في العالمين العربي والإسلامي. وهي تدعم الحركات المعارضة والثورية في العالم السني. ومع أن العلماء الشيعة الكبار لا يدعمون نظام ولاية الفقيه المتفرد، لكن الجمهور الشيعي العام مع النظام بداخل إيران وخارجها.
ويشكل الصعود الشيعي الديني والسياسي مشكلة بالنسبة للإسلام التقليدي وللأنظمة. فالتقليديون (بل وبعض الإحيائيين) يخشون من جاذبية التشيع. والأنظمة تخشى من دعم إيران للحركات المعارضة لها بالداخل العربي والإسلامي. ولا دليل على علاقة لإيران بالجهاديين. لكن لها علاقات قوية بالأصوليين الإحيائيين (تيار الاخوان المسلمين).
ما معنى هذا كله؟ الإسلام الصحوي من نتاجات الحداثة، وليس من نتاجات فشلها. والدليل على ذلك قوته أيضاً في أوساط الجاليات العربية والإسلامية ببلدان المهاجر. وليس هناك دليل على تراجع من أي نوع أمام اكتساحات الحداثة، بل هناك نوع من التلاؤم يذكّر بالفرضية التي اقترحها ارنست غلنر. الأصولية بوصفها طريقاً للحداثة لدى العرب!.
() مقاطع من محاضرة ألقيت في أبو ظبي في 22/10/3008

اترك تعليق