روسيا ووجهها الجديد للعالم

0
97

منذ توليه مسؤولية الحكم في روسيا في السابع من مايو عام 2008، والسؤال لم يتوقف عن مدى سلطات الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في إدارة شؤون البلاد بجانب رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، صاحب الشعبية الكاسحة التي أتت بميدفيديف للحكم وبدونها ما كان ليأتي. وبعد مرور أكثر من عام ونصف على وجوده في الكريملين وسؤال آخر هام يتردد، وهو:

 

هل وضع ميدفيديف أية بصمات جديدة على نظام الحكم في روسيا؟ والحقيقة كما نراها أن الرئيس ميدفيديف استطاع بالفعل أن يفرض وجوده ويتميز في أسلوبه في إدارة أمور الحكم عن سلفه بوتين، واستطاع أن يقود السياسة الخارجية الروسية إلى الابتعاد عن التشنج والتصريحات الحادة التي تقلق الآخرين، بدليل أنه خفف اللهجة حيال الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

 

وأبدى منذ أيام استعداده لتمييز مصالح الشعوب عن مصالح الحكام، حيث أعطى قراره بالموافقة على استئناف حركة طائرات الركاب الروسية، إلى جمهورية جورجيا التي يقودها نظام حكم معادٍ لروسيا وترفض موسكو التعامل معه.

 

كما يتمسك الرئيس ميدفيديف بموقفه الرافض لتطبيق عقوبة الإعدام في روسيا، الأمر الذي يرضي الناشطين الأوروبيين في مجال حقوق الإنسان، على الرغم من المعارضة القوية على الساحة السياسية الداخلية في روسيا لإلغاء عقوبة الإعدام، بما في ذلك موقف رئيس الوزراء بوتين نفسه.

 

أيضا أقدم الرئيس ميدفيديف على التعامل مع قضايا تدخل في صميم اختصاصات رئيس الوزراء بوتين، وبالأخص في المجال الاقتصادي، فقد تحدث ميدفيديف حول انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، وأصبح يعمل على تطبيق فكرة تكوين اتحاد اقتصادي يجمع روسيا وبعض البلدان الأخرى الكائنة في الساحة السوفيتية سابقا، وطالب باستئناف استيراد الغاز الطبيعي من تركمانيا.

 

في نفس الوقت نرى ميدفيديف يسعى لتنويع السياسة الخارجية الروسية، إذ قام بزيارات إلى بلدان كثيرة بدءا بنيجيريا وانتهاء بسنغافورة، وناقش مع قادة الدول الأخرى موضوعات متنوعة، بدءا بمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، وانتهاء بتخفيض الأسلحة النووية الاستراتيجية.

 

ولم يتأثر ميدفيديف بالفشل في بعض مبادراته، مثل مبادرة عقد اتفاق أمني أوروبي جديد يكون لروسيا دور أساسي فيه على حساب الدور الأميركي، ويبدو أن الوقت ما زال مبكرا لمطالبة الغرب بالتخلي عن النظام الأمني الذي ضمن له الانتصار في الحرب الباردة، فضلا عن أن الرئيس الروسي وجه دعوته إلى الجهة غير المناسبة.

 

فما زال معظم خيوط اللعبة الأوروبية في يد واشنطن، وما زالت مسائل الأمن الأوروبي تقررها الولايات المتحدة، ولم يجرؤ الرئيس الروسي على طرح هذه المسألة أثناء زيارة الرئيس الأميركي أوباما لموسكو في يوليو الماضي.

 

ومع ذلك حقق ميدفيديف نجاحا سياسيا حقيقيا على المسار الأميركي بالذات، حيث استأنفت روسيا والولايات المتحدة التعاون الكامل في المجالات الرئيسية. وألمح ميدفيديف للمرة الأولى إلى إمكان انضمام روسيا إلى عقوبات ضد إيران، وسمح للأميركيين وحلفائهم باستخدام الأجواء الروسية في نقل السلع العسكرية إلى أفغانستان.

 

وعدلت الولايات المتحدة بدورها موقفها في ما يخص انتشار النظام الدفاعي الأميركي المضاد للصواريخ في شرق أوروبا، وهو ما سعت روسيا إليه طيلة الأعوام القليلة الماضية. وحاليا تستمر المفاوضات الروسية الأميركية متجهة لحل مشكلة تقليص مخزون البلدين من الأسلحة النووية.

 

صحيح أن روسيا لم تحقق النجاح الباهر في مجال السياسة الخارجية عام 2009، ولكنها توجهت لاتخاذ المواقف الجديدة في هذا المجال وهذا هو الأهم. وما فعله ميدفيديف خلال الفترة الماضية، يثبت أن روسيا أصبح لها وجه جديد ولغة جديدة على الساحة الدولية.

 

ومن الخطأ تصور أن هذا كله يحدث ضد إرادة ورغبة رئيس الوزراء بوتين، بل على الأرجح أن اختيار بوتين لميدفيديف ليخلفه في الرئاسة، ولم يكن أحد يتوقعه، إنما كان لهذا الهدف بالذات، لكي تظهر روسيا للعالم بوجه جديد.

 

كاتب روسي

 

Luon1935@kin.ru

"البيان"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.